التناقض المسكوت عنه اليوم بسبب الالتقاء الظرفي في المصالح بين جميع تبارات الاحتجاج على النظام التسلطى العربي مصدر القلق والتردد والتشكيك وبالتالي الانقسام على النفس الذي لا يزال يطبع موقف الرأي العام العربي من مسألة الاختيار الديمقراطي ويؤخر الحسم فيه، بالرغم من تنافس الجميع في تقديم الولاء الظاهري للفكرة الديمقراطية.
وتنطلق الفلسفة الليبرالية الأصلية من اعتقادات ثابتة أساسية لا تستقيم من دونها، أولها مبدا الانسجام الطبيعي الذي يقضي بأن بحث كل فرد حر عن مصالحه الخاصة لا يتناقض مع تحقيق المصلحة العامة للجميع، ولكنه بشكل بالعكس ضمانته الحقيقية
ويعني هذا أنه إذا تركنا كل فرد يبحث بحرية عن مصلحته الخاصة فسنصل إلى انسجام حقيقي في المصالح أكثر بكثير مما لو سمحنا للدولة بأن تتدخل لضمان مثل هذا الانسجام أو لاختراعه.
والأمر الآخر أن الحرية السياسية تتطابق مع حقل الحرية الاقتصادية، ولا يعني هذا مجرد الافتراض بأن الاقتصاد الحر هو شرط للحرية السياسية أو الديمقراطية فحسب، ولكن أكثر من ذلك أن الحريات الاقتصادية المجسدة في اقتصاد السوق الحر تقود مباشرة وتلقائيا إلى نشوء الحريات السياسية وتاكيدها.
فلا ديمقراطية من دون ليبرالية ولا ليبرالية من دون ديمقراطية وبالتالي فالليبرالية تضمن بشكل تلقائي تكافؤ الفرص وآفاق الارتقاء الاجتماعي والمشاركة السياسية لجميع الأفراد، بقدر ما تضمن النمو والتقدم الاقتصادي.
لكن الليبرالية الجديدة تحولت إلى مذهب سياسى للقوى الكبرى، وواجهت ولا تزال انتقادات كثيرة فقبل أن تظهر التجربة التاريخية أن الحرية بالمعنى الذي تدعو إليه الليبرالية لا تقود بالضرورة إلى الانسجام الطبيعي بين جميع المصالح الاجتماعية، كما أنها يمكن أن نعمل على إيجاد أوضاع اجتماعية تخل بشروط ممارسة الحرية عند القسم الأكبر من الرأي العام لصالح فئات قليلة