و لقد قضت الحرب الأهلية في أميركا على ارواح الكثيرين من شبابها، وتركت لها عبثا باهظا من الديون. غير أن تلك البلاد كانت شابة مليئة بالنشاط فاستمر نموها السريع ... وكانت كذلك تملك موارد طبيعية هائلة، خصوصا في المناجم الغنية بالموارد الرئيسية الثلاث التي تقوم عليها اليوم كل صناعة حديثة: الحديد والفحم والبترول. وكان ثمة كثير من مساقط المياه التي يمكن استغلالها في توليد الكهرباء، وشلالات نياجارا المعروفة في طليعتها.
كانت تلك الدولة قارة هائلة يقطنها سكان قليلون نسبيا، فكان كل فرد يجد امامه مجالا واسعا للثراء، وعلى ذلك تهيأت لها كل الأسباب لاقامة دولة صناعية من الدرجة الأولى، وقد اخذت في ذلك بسرعة ملحوظة، فلم تأت سنة 1880 حتى بدأت الصناعة الامير کبة تنافس الصناعات الانكليزية في الأسواق الخارجية. فقد وضعت الصناعة الأميركية والألمانية حدا للتفوق الذي استأثرت به انجلترا في التجارة الخارجية مدى قرن كامل من الزمان ...
وتدفق المهاجرون على الدولة الجديدة من جميع الشعوب الأوروبية: المان واسكندنافيون وايرلنديون وايطاليون ويهود وبولنديون ... جاء بعضهم طريد الاضطهاد السياسي في اوطانهم الأصلية وجاء بعضهم الآخر بحثا عن مستوى افضل من الحياة ...
لقد ارسلت اوروبا المزدحمة الزائد من سكانها إلى أميركا في صورة هذا المزيج الغريب من الأجناس واللغات والأديان ... كان هؤلاء المهاجرون. يعيشون في اوروبا منفصلين، ولكل واحد منهم عالمه الخاص الصغير، وقالو بهم