يتيحوا الفرصة لنشوب ثورة أخرى ... فعقدوا بينهم بما أسموه بالمخالفة المقدسة للمحافظة على الحق الاهي للملوك ولمنع الناس من أن يرفعوا رؤوسهم! وتحالفت الأوتوقراطية ورجال الدين كالعادة، وكان الاسكندر قيصر روسيا هو الروح الموجهة وراء هذا الحلف ... ذلك أن بلاده ظلت حتى ذلك الوقت تعيش في ظلال القرون الوسطى ولم تهب عليها نسمة واحدة من ريح الصناعة. كانت المدن الكبيرة هناك نادرة والتجارة تافهة، وحتى الصناعات اليدوية كانت منخفضة المستوى مما جعل الأرستقراطية قوة وحيدة لا ينازعها أحد.
وعلى العكس من ذلك كانت الأحوال في سائر بلاد أوروبا. فكلما اتجه المرء غربا كان يجد الطبقة المتوسطة أكثر نموا، حتى يصل الى انكلترا نفسها فلا يجد فيها أوتوقراطية على الاطلاق. فالملك مقيد بسلطة البرلمان، والبرلمان في يد حفنة من الأغنياء. وكان الفرق كبير بين الأتوقراطية في روسيا والأغنياء الحاكمين في انجلترا، ولكنها كانا يشتركان في شيء واحد: الخوف من الشعب ومن الثورة معا ...
وهكذا كانت الرجعية مسيطرة منتصرة في أوروبا.
كانت الحروب في الزمن الماضي أما دينية أو عائلية أو وطنية. وان كانت تخفي وراءها عادة بعض الأسباب الاقتصادية أيضا.
وعندما نصل إلى العصور الحديثة نجد أن الحروب الدينية والعائلية ق د اختفت. لم تنته الحروب طبعا، بل لعلها
زادت في نطاقها، ولكن اسبابها اصبحت سياسية واقتصادية والاسباب السياسية مرتبطة عادة بالوطنية، کنزو دولة لدولة اخرى، وكصراع بين وطنيتين. ولكن حتى هذه الخلافات نجد لها اسبابا اقتصادية كاحتياج الدول الصناعية الى اسواق وخامات تستأثر بها.