قبل القرن الثانى للهجرة برعاية هذا الضرب من ضروب التأليف، أى قبل أن يعنى به بعدهم المؤرخون واللغويون أيضا. والمؤسف أن هذه الكتب لم تكن تذكر إلا عرضا، وكلما زاد اشتغالنا بتراجم الرجال، يستقر في نفوسنا أن تسمية «العالم» كان يقصد بها في الغالب مؤلفى الكتب [63] .
وعلينا أن نذكر بالإضافة إلى ما سنذكر من العلماء (انظر الفصل الخاص بتدوين تاريخ الجاهلية) أسماء مثل: عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذرى (المتوفى 83 هـ/ 702 م أو 93 هـ) /، وسعيد بن المسيّب (المتوفى 94 هـ/ 713 م) ، وقتادة بن دعامة (المتوفى 118 هـ/ 736 م) ، وأبى بكر محمد بن مسلم الزهرى (المتوفى 124 هـ/ 742 م) . ففى مجالس عبد الله بن ثعلبة تعلم الزهرى أنساب قبيلته [64] .
ولا بد كذلك من بحث القطع- في المصادر التى وصلت إلينا والتى ترجع إلى كتب الأنساب المؤلفة في العصر الأموى. وهذا يتطلب- قبل كل شئ- عمل فهارس دقيقة تضم أسماء الرواة.
ونريد أن نذكر هنا بعض اقتباسات. ففى كتاب الطبقات لابن سعد يرد ذكر «كتاب نسب الأنصار» كثيرا، وكان ابن سعد [65] وعبد الله بن محمد بن عمارة الأنصارى، وهو
(63) لا تذكر كتب الطبقات أسماء المؤلفات إلا نادرا جدا، وعلى العكس من ذلك فغالبا ما يقولون إنه «كان عالما» ، وكمثال مميز نذكر قصة طريقة تفيد أن العالم في العصر الأموى أو صاحب العلم من كان قادرا على تدوين أفكاره. وعند ما هرب المؤرخ الشعبى من سجن الحجاج بن يوسف إلى قتيبة بن مسلم في خراسان قدّم إليه نفسه قائلا: «أيها الأمير عند علم، قال: ومن أنت؟ قلت: أعيذك لا تسألنى عن ذلك، فعرف أنى ممن يخفى نفسه، فدعا بكتاب، فقال: اكتب. يعنى مسودة، قلت: لست ممن يحتاج، فجعلت أملى عليه وهو ينظر حتى فرغ من كتاب الفتح» (تذكرة الحفاظ للذهبى 86) . وهناك أمثلة كثيرة أخرى نذكر منها أن الزبير بن بكار ذكر في ترجمته لإبراهيم بن موسى بن الصّديق (المتوفى حوالى سنة 200 هـ/ 815 م) أنه «كان من أهل العلم» ، «انظر في العلم» ، وذكر في موضع آخر أنه أفاد من كتبه (انظر نسب قريش للزبير 1/ 91، 230) .
(64) الطبقات لابن سعد (بيروت) 2/ 382، والتهذيب لابن حجر 5/ 166، وانظر القطعتين اللتين ذكرهما الطبرى حول سيرة النبى صلّى الله عليه وسلم 1/ 1322، 2735 وهما ترجعان إليه.
(65) الطبقات لابن سعد (بيروت) 3/ 626، 5/ 74.