كانت موضع تقدير كبير في المجتمع العربى القديم. فقد كلف عمر بن الخطاب ثلاثة من نسابى قريش وهم جبير بن مطعم، وعقيل بن أبى طالب، ومخرمه بن نوفل بأن يعدّوا له جدولا بالأنساب [57] . والنسابة الأخير أحد أعضاء اللجنة التى قامت بوضع علامات لحدود المنطقة الحرام في مكة. [58] وسوف نرى فيما بعد أن أبناء وأحفاد وتلاميذ هذا النسابة كانوا أيضا علماء بالأنساب ومؤرخين أسهموا في التطور المستمر للتدوين التاريخى عند المسلمين. ويتضح لنا من كتب الطبقات ومن الإشارات المتعددة في المصادر أن القرشيين الثلاثة لم يكونوا عارفين فقط بسلاسل أنساب القبائل وأسمائها، بل كانوا كذلك من أصحاب المعرفة بالشعر وأخبار العرب. وحسبنا هنا أن نضرب مثلا، فالخليفة عمر بن الخطاب- الذى قضى نصف عمره في الجاهلية- سأل يوما ما جبير بن مطعم عن تاريخ الملك النعمان بن المنذر، وأهداه سيف الملك/- وكان من بين أسلحة الملك وملابسه ضمن الغنائم. أما الخبر الذى رواه نافع بن جبير فيفصح عن حسّ نقدى للتاريخ لدى جبير وابنه. [59] وكان أبو بكر متميزا بين الصحابة بمعارفه في الأنساب، حتى إنه كان- فيما يقال- أستاذ جبير بن مطعم في هذا المجال [60] . ومن بين متأخرى الصحابة كان عبد الله بن عباس نسابة معروفا [61] .
وعلى هذا الأساس أصبح ممكنا أن يوجد مثل هذا الاشتغال المركز بالأنساب والتاريخ القديم في أوائل العصر الأموى. [62] وتذكر المصادر أسماء متعددة لنسابين قاموا
(57) الطبقات لابن سعد (بيروت) 3/ 295 - 299، فتوح البلدان للبلاذرى 436، 437، الطبرى 1/ 2750 - 2752، وانظر شبرنجر وجولدتسيهر:
(58) الإصابة لابن حجر 3/ 794، وانظر فيستنفلد في كتابه عن المؤرخين العرب Wustenfeld ,Geschichts.Nr.3:
(59) الطبرى 1/ 2455، قارن البيان والتبيين للجاحظ 1/ 303، ونظرا لأن هذا الخبر موجود في كتب متأخرة فإننا نشك في أصالته وأرى أن الطبرى قد احتفظ لنا على نحو غير مباشر بقطعة من كتاب نافع بن جبير حول حياة الرسول.
(60) البيان والتبيين للجاحظ 1/ 303، والحيوان للجاحظ 3/ 210، والفائق للزمخشرى 1/ 608 - 609، والإصابة لابن حجر 1/ 461، 2/ 830 وجولدتسيهر في كتابه دراسات إسلامية 1/ 180.
(61) الطبقات لابن سعد (طبعة بيروت) 2/ 367.
(62) انظر جولدتسيهر في دراسات إسلامية Goldziher ,Muh.Stud.I ,186: