انصرف يا أبا القاسم انصرف راشدا فوالله ما كنت جهولا قال فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم فقال بعضهم لبعض ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون له أنت الذي تقول كذا وكذا لما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم قال فيقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( نعم أنا الذي أقول ذلك ) )قال فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع ردائه. قال وقام أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه دونه يقول وهو يبكى {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله} ثم انصرفوا عنه فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشا بلغت منه قط [1] .
إسلام أبي ذر الغفاري:-
عن أبو جمرة قال: قال لنا ابن عباس ألا أخبركم بإسلام أبي ذر؟ قال قلنا بلى قال قال أبو ذر كنت رجلا من غفار فبلغنا أن رجلا قد خرج بمكة يزعم أنه نبي فقلت لأخي انطلق إلى هذا الرجل كلمه وأتني بخبره فانطلق فلقيه ثم رجع فقلت ما عندك؟ فقال والله لقد رأيت رجلا يأمر بالخير وينهى عن الشر فقلت له لم تشفني من الخبر فأخذت جرابا وعصا ثم أقبلت إلى مكة فجعلت لا أعرفه وأكره أن أسأل عنه واشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد قال فمر بي علي فقال كأن الرجل غريب؟ قال قلت نعم قال فانطلق إلى المنزل قال فانطلقت معه لا يسألني عن شيء ولا أخبره فلما أصبحت غدوت إلى المسجد لأسأل عنه وليس أحد يخبرني عنه بشيء قال فمر بي علي فقال أما نال للرجل يعرف منزله بعد؟ قال قلت لا قال انطلق معي قال فقال ما أمرك وما أقدمك هذه البلدة؟ قال قلت له إن كتمت علي أخبرتك قال فإني أفعل قال قلت له بلغنا أنه قد خرج ها هنا رجل يزعم أنه نبي فأرسلت أخي ليكلمه فرجع ولم يشفني من الخبر فأردت أن ألقاه فقال له أما إنك قد رشدت هذا وجهي إليه فاتبعني ادخل حيث ادخل فإني إن رأيت أحدا أخافه عليك قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي وامض أنت فمضى ومضيت معه حتى دخل ودخلت معه على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت له اعرض علي الإسلام فعرضه فأسلمت مكاني فقال لي (( يا أبا ذر اكتم هذا الأمر وارجع إلى بلدك فإذا بلغك ظهورنا فأقبل ) )
فقلت والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم فجاء إلى المسجد وقريش فيه فقال يا معشر قريش إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فقالوا قوموا إلى هذا الصابئ فقاموا فضربت لأموت فأدركني العباس فأكب علي ثم أقبل عليهم فقال ويلكم تقتلون رجلا من غفار ومتجركم وممركم على غفار فأقلعوا عني فلما أن أصبحت الغد رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس فقالوا قوموا إلى هذا الصابئ فصنع بي مثل ما صنع بالأمس وأدركني العباس فأكب علي وقال مثل مقالته بالأمس.
قال فكان هذا أول إسلام أبي ذر رحمه الله [2] .
(1) (أخرجه أحمد 7036 وابن حبان 6567 والبزار 2497 وقال شعيب الأرنؤوط إسناده حسن) .
(2) (أخرجه البخاري في المناقب ومسلم في فضائل الصحابة 2474) .