لم يعد بلال بن رباح يصدح بالآذان بصوته الشجي الحفي المهيب، ذلك أنه لم يكن ينطق في آذانه"أشهد أن محمدًا رسول الله"حتى تجيش به الذكريات فيختفي صوته تحت وقع أساه، وتصيح بالكلمات دموعه وعبراته.
وكان آخر آذان له أيام زار الشام أمير المؤمنين عمر وتوسل المسلمون إليه أن يحمل بلال على أن يؤذن لهم صلاة واحدة.
ودعا أمير المؤمنين بلالًا وقد حان وقت الصلاة ورجاء أن يؤذن لها.
وصعد بلال وأذن وقال"الله أكبر الله أكبر. الله أكبر الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن لا إله إلا الله."فلما جاء إلى أشهد أن محمدًا رسول الله ما استطاع أن يكمل الآذان من شدة البكاء وبكى الصحابة الذين كانوا أدركوا رسول الله وبلال يؤذن له. بكوا كما لم يبكوا من قبل أبدًا.
وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أشدهم بكاءً [1] .
تذكرًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتذكرًا لأخلاقه العظيمة وتذكرًا لزهده وسماحته وصدقه وحلمه، فما كانت على الصحابة رضوان الله عليهم مصيبة أشد من فقدانهم للصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - الذي قال الله سبحانه فيه {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [2] .
عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى المقبرة فقال (( السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وددت أنا قد رأينا إخواننا ) )قالوا أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ (( قال أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد ) )فقالوا كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال (( أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ ) )قالوا بلى يا رسول الله قال (( فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء .... ) ) [3] .
فديناك بأبائنا وأمهاتنا ونحن والله يا رسول الله وددنا أنا رأيناك فتنير أعيننا برؤياك صلى عليك الله.
فنسأل الله أن يقر أعيننا برؤياه يوم القيامة وأن يشفع لنا ونسأل الله أن يغفر لنا ويرحمنا وأن يقربنا للجنة وما قرب إليها من قول أو عمل وأن يصرف عنا النار وما قرب إليها من قول أو عمل وأن يجعل عملنا كله صالحا وأن يجعله لوجهه خالصا وأن لا يجعل فيه لآحد غيره شيئا.
اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
(1) (ذكرها الامام السبكي في مثير الغرام وذكر الحافظ ابن عبد الهادى في الصارم وضعفها) .
(2) (التوبة: 128) .
(3) (أخرجه مسلم في الطهارة باب استحباب اطالة الغرة والتحجيل عند الوضوء 249) .