سبب الغزوة:-
سبق في ذكر غزوة العشيرة أن عيرًا لقريش أفلتت من النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذهابها من مكة إلى الشام، فلما قرب رجوعها من الشام إلى مكة بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى الشمال ليقوما باكتشاف خبرها، فوصلا إلى الحوراء ومكثا حتى مر بهما أبو سفيان بالعير، فأسرعا إلى المدينة وأخبرا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخبر.
وكانت العير تحمل ثروات طائلة لكبار أهل مكة ورؤسائها: ألف بعير موقرة بأموال لا تقل عن خمسين ألف دينار ذهبي، ولم يكن معها من الحرس إلا نحو أربعين رجلا [1]
فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخرج معه ثلاثة مائة وأربعة عشر على أرجح الأقوال متجهًا إلى بدر ليكمنوا لعير قريش، واستعمل على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم، فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة واستعمله على المدينة، فلم يكن فيهم فارسًا إلا المقداد بن الأسود، وكان كل ثلاثة يركبون على بعير، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلي ابن أبي طالب ومرثد ابن أبي المرثد يبدلون على بعير، فقال علي ومرثد: يا رسول الله نحن نمشي عنك. فقال المصطفى - صلى الله عليه وسلم: (( ما أنتما بأقوى مني ولا أنا أغنى عن الأجر منكما ) ) [2] .
وكان أبو سفيان حين دنا من الحجار يتحسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان تخوفا على امر الناس حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فيعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في اصحابه فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة [3] .
رؤيا عاتكة:-
رأت عاتكة بنت عبد المطلب عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام قبل قدوم ضمضم بن عمرو بثلاث أيام رجل وقف بالأبطح وهو ينادي يالغدر لمصارعكم بعد ثلاث ثم صعد على جبل أبي قبيس وقال يالغدر لمصارعكم بعد ثلاث ثم ذهب عند الكعبة وقال يالغدر لمصارعكم بعد ثلاث، فلما قامت أخبرت بها العباس بن عبد المطلب فقال لها: لا تخبري أحدًا بها.
ثم خرج العباس فلقي الوليد ابن عتبة بن ربيعة وكان له صديقا فذكرها له واستكتمه إياها فذكرها الوليد لأبيه عتبة ففشا الحديث بمكة حتى تحدثت به قريش في أنديتها. قال العباس فغدوت لأطوف بالبيت وابو جهل بن هشام في
(1) (الرحيق المختوم ص 224) .
(2) (رواه أحمد والبزار وقال: فإذا كانت عقبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالا: اركب حتى نمشي عنك والباقي بنحوه وفيه عاصم بن بهدلة وحديثه حسن وبقية رجال أحمد رجال الصحيح - هكذا قال الهيثمي) .
(3) (ابن هشام 3/ 153) .