رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة فلما رآني أبو جهل قال يا ابا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم فقال لي ابو جهل يا بني عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه النبية قال قلت وما ذاك قال تلك الرؤيا التي رأت عاتكة قال فقلت وما رأت قال يا بني عبد المطلب أما رضيتم ان يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم قد زعمت عاتكة في رؤيا أنه قال انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث فإن يك حقا ما تقول فسيكون إن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب قال العباس فوالله ما كان مني إله كبير إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا قال ثم تفرقا، فلما أمسيت لم تبق امرأة من بن عبد المطلب إلا أتتني فقالت أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ثم قد تناول النساء وأنت تسمع ثم لم يكن عندك غير لشيء بما سمعت قال قلت قد والله فعلت ما كان مني إليه من كبير وايم الله لأتعرضن له لأكفينكنه [1] .
وقفة مع سبب الخروج:-
يقول ابن سعيد البوطي: يدلنا السبب الأول لغزوة بدر أن الدافع الأصلي لخروج المسلمين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لم يكن القتال والحرب، وإنما كان الدافع قصد الاستيلاء على عير قريش القادمة من الشام تحت إشراف أبي سفيان، غير أن الله تبارك وتعالى أراد لعباده غنيمة أكبر، ونصرًا أعظم، وعملًا أشرف وأكثر انسجامًا مع الغاية التي ينبغي أن يقصدها المسلم في حياته كلها، فأبعد عنهم العير التي كانوا يطلبونها، وأبدلهم بها نفيرًا لم يكونوا يتوقعونه، وفي هذا دليل على أمرين:
الأمر الأول: أن عامة ممتلكات الحربيين تعد بالنسبة للمسلمين أموالًا غير محترمة، فلهم أن يستولوا عليها ويأخذوا ما امتدت إليه أيديهم منها، وما وقع تحت يدهم من ذلك اعتبر ملكًا لهم.
وهو حكم متفق عليه عند الفقهاء، على أن للمهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأبنائهم في مكة عذرًا آخر في القصد إلى أخذ عير قريش والاستيلاء عليها، وهو محاولة التعويض أو شيء من التعويض عن ممتلكاتهم التي بقيت في مكة واستولى عليها المشركون من ورائهم.
الأمر الثاني: أنه على الرغم من مشروعية هذا القصد، فإن الله تعالى أراد لعبادة المؤمنين قصدًا أرفع من ذلك وأليق بوظيفتهم التي خلقوا من أجلها، ألا وهي الدعوة إلى دين الله والجهاد في سبيل ذلك، والتضحية بالروح والمال في سبيل إعلاء كلمة الله، ومن هنا كان النصر العظيم حليف أبي سفيان بالنجاة بتجارته، بمقدار ما كانت الهزيمة العظيمة حليف قريش في ميدان الجهاد بينهم وبين المسلمين.
وإن هذه التربية الإلهية لنفوس المسلمين لتتجلى بأبرز صورها قوله تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} [2] .
(1) (ابن هشام 3/ 155) .
(2) (الأنفال: 7 - فقه السيرة النبوية للبوطي ص 159) .