المسلمون لا يزدادون بذلك إلا إيمانًا ويقينا، فلما لم يفلحوا في ذلك لجؤوا إلى أسلوب آخر فأرادوا أن يعرضوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - عروضًا لعله يرجع عما هو عليه أو يتنازل عن بعض الحق الذي يدعو إليه، فمن هذه العروض أنهم أرسلوا عتبة بن ربيعة ليعرض على الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما قد رآه حلًا للمشكلة [1] .
عن جابر بن عبد الله قال: اجتمعت قريش للنبي - صلى الله عليه وسلم - يوما فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي قد فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا فليكلمه ولينظر ما يرد عليه قالوا: ما نعلم أحدا غير ... عتبة بن ربيعة.
قالوا: أنت يا أبا الوليد فأتاه عتبة فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال: فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك عبدوا الآلهة التي عبت وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك إنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك! فرقت جماعتنا وشتت أمرنا وعبت ديننا ففضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا وأن في قريش كاهنا والله ما نتظر إلا مثل صيحة الحبلى بأن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فنزوجك عشرا! قال له رسول الله: (( أفرغت؟ ) )قال: نعم.
قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( بسم الله الرحمن الرحيم {حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} حتى بلغ: فإن أعرضوا فقل: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} ) )فقال عتبة: حسبك حسبك ما عندك غير هذا؟ قال: (( لا ) )، فرجع إلى قريش فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمون به إلا كلمته قالوا: هل أجابك؟ قال: نعم والذي نصبها بنية ما فهمت شيئا مما قال غير أنه قال: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [2] قالوا ويلك! يكلمك رجل بالعربية لا تدري ما قال؟ قال: لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة [3] .
اعتراف وانتكاس الوليد ابن المغيرة:-
ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش وكان ذا سن فيهم وقد حضر الموسم فقال لهم: يا معشر قريش إنه قد حضر هذا الموسم وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ويرد قولكم بعضه بعضا قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقول به قال: بل أنتم فقولوا أسمع قالوا: نقول كاهن قال: لا والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه
(1) (سيرة الرسول ص 130) .
(2) (من سورة فصلت) .
(3) (أخرجه أبي يعلى رقم 1818 والحاكم في المستدرك رقم 3002 وأبي شيبة 7/ 330 وعبد بن حميد رقم 1123 وقال الذهبي في التلخيص صحيح) .