بالعرب قاطبة طاقة، وانا احق من أخذك، فحسبك بنو ابيك وان اقمت علي ما انت عليه فهو ايسر عليهم من ان يثب بك بطون قريش، وتمدهم العرب، فما رايت احدا جاء علي بني ابيه بشر مما جئت به، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يتكلم في ذلك المجلس.
ثم دعا ثانية وقال: (( الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأؤمن به، وأتوكل عليه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. ثم قال: إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو، إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدًا أو النار أبدًا ) ).
فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقًا لحديثك. وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامض لما أمرت به. فوالله، لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب.
فقال أبو لهب: هذه والله السوأة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم، فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا [1] .
الدعوة جهرية:-
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} . صعد النبي - صلى الله عليه وسلم - على الصفا فجعل ينادي يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو فجاء أبو لهب وقريش فقال (( أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ) ). قالوا نعم ما جربنا عليك إلا صدقا قال (( فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) ). فقال أبو لهب تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟
فنزلت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} [2] .
فبدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو ليلًا ونهارًا، ولم يترك أحد إلا ودعاه إلى الله عز وجل وبدأ يدعو الناس يآيات التوحيد وترك عبادة الأصنام {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [3] ومن هنا كانت بداية الأزمات مع قريش، فسألت قريش من يجير النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فعلموا أن أبا طالب، فذهبوا إليه، وقالوا له: كف عنا ابن أخيك أو دعه لنا، فقال لهم قولًا طيبًا حتى انصرفوا.
وبدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعوا بآيات التوحيد ويقول: (( ... يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا .. ) ) [4] فذهبت قريش إلى أبا طالب مرة أخرى وحدثته بهمها وقالت: لابد أن تضع حدًا لهذا الذي يسب آلهتنا، فلما رأى أبا طالب
(1) (الكامل لابن الأثير 1/ 584 - 585) .
(2) (أخرجه البخاري في التفسير 4492 ومسلم في الإيمان 208) .
(3) (الأعراف) .
(4) (أخرجه ابن سعد في الطبقات: 1/ 216) .