فقال عبد المطلب: إني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما لكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه، حتى يكون آخرهم رجلًا واحدًا، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعه.
فقالوا: نعم ما أمرت به. فحفر كل رجل لنفسه حفرة، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشًا، ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: والله إن إلقاؤنا بأيدينا هكذا للموت لا ضرب في الأرض، ولا نبتغي لأنفسنا لعجز، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد، ارتحلوا. فارتحلوا حتى إذا بعث عبد المطلب راحلته انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب، فكبر عبد المطلب، وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه، واستسقوا حتى ملأوا أسقيتهم، ثم دعا قبائل قريش - وهم ينظرون إليهم في جميع هذه الأحوال - فقال: هلموا إلى الماء فقد سقانا الله، فجاءوا فشربوا، واستسقوا كلهم، ثم قالوا: قد والله قضي لك علينا، والله لا نخاصمك في زمزم أبدًا، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة هو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدًا. فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلوا بينه وبين زمزم [1] .
أبناء عبد المطلب:
فولد عبد المطلب بن هاشم عشرة نفر وست نسوة العباس وحمزة وعبد الله وأبا طالب واسمه عبد مناف والزبير والحارث وحجلًا والمقوم وضرارا وأبا لهب واسمه عبد العزى وصفية وأم حكيم البيضاء وعاتكة وأميمة وأروى وبرة [2] .
نذر عبد المطلب:-
وذلك أن عبد المطلب لما تم أبناؤه عشرة، وعرف أنهم يمنعونه أخبرهم بنذره فأطاعوه، فقيل: إنه أقرع بينهم أيهم ينحر؟ فطارت القرعة على عبد الله، وكان أحب الناس إليه. فقال: اللهم هو أو مائة من الإبل. ثم أقرع بينه وبين الإبل فطارت القرعة على المائة من الإبل [3] .
زواج عبد الله من آمنة بنت وهب:
واختار عبد المطلب لولده عبد الله آمنة بنت وهب بن عبدمناف بن زهرة بن كلاب، وهي يومئذ تعد أفضل إمرأة في قريش نسبًا وموضعًا، وأبوها سيد بني زهرة نسبًا وشرفًا، فزوجه بها، فبنى بها عبد الله في مكة، وبعد قليل أرسله عبد المطلب إلى المدينة يمتار لهم تمرًا، فمات بها، وقيل: بل خرج تاجرًا إلى الشام، فأقبل في عير قريش، فنزل بالمدينة وهو مريض فتوفى بها، ودفن في دار النابغة الجعدي، وله إذ ذاك خمس وعشرون سنة، وكانت وفاته قبل أن يولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبه يقول أكثر المؤرخين، وقيل: بل توفى بعد مولده بشهرين أو أكثر. ولما بلغ نعيه إلى مكة رثته آمنة بأروع المراثى، قالت:
عفا جانب البطحاء من ابن هاشم ... وجاور لحدًا خارجًا في الغماغم
(1) (سيرة الرسول ص 44 - 45 - 46) .
(2) (ابن هشام 1/ 236) .
(3) (تاريخ الطبري 1/ 497) .