المطلب وكان ذا وجاهة وهيبة نزل له من عرشه وجلس معه على الأرض وقال له ما شأنك، فقال إن لي عندك إبلًا قد أخذه جيشك فأعطنيها، فغضب أبرهة وقال له لما رأيتك عظمتك وحسبت أنك جئت لأصفح عن مكة ولكنك تكلمني عن إبل؟ فقال عبدالمطلب: أنا رب الإبل أما البيت فله رب يحميه، فأمر أبرهة بإطلاق الإبل.
فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر فأمرهم بالخروج من مكة، والتحرز في شعف الجبال، والشعاب، تخوفًا عليهم من معرة الجيش، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذ باب الكعبة:
لاهم إن العبد يمنع ... رحله فامنع حلالك
لا يغلبن صليهم ... ومحالهم غدوًا محالك
إن كنت تاركهم وقبلتنا ... فأمر ما بدا لك
ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال فتحرزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها [1] .
فبدأ أبرهة بالتقدم نحو الكعبة، فأفلت في هذا الوقت الأسير نفيل الخثعمي وذهب إلى الفيل وصاح في أنه قائلًا ابرك محمود هذا بيت الله فبرك الفيل بقدرة من يقول للشيئ كن فيكون، فبدأ السايس ومن معه يضربونه والفيل لا يتحرك فأخذوا يوجهونه نحو اليمن وغيرها فيقوم ثم يردونه إلى الكعبة فيبرك، في هذه الأثناء بدأت طيور صغيرة تحوم حول المكان وعلت جيش أبرهة وأخذت ترمي بحجارة صغيرة وهي الأبابيل تسقط على الرجل من الجيش فتحرق جلده، فبدأ الجيش يفر من كل مكان وفر أبرهة ولكن أصابته الحجارة وأصيب ولكنه مات في الطريق ومات معظم جيش أبرهة في هذه الحادثة، يقول الله تبارك وتعالى {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} [2] .
وعن أبي هريرة قال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسول الله والمؤمنين ألا فإنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ألا وإنها حلت لي ساعة من نهار ألا وإنها ساعتي هذه حرام لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها ولا يلتقط ساقطتها إلا لمنشد ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يعقل وإما أن يقاد أهل القتيل ) ) [3] .
فزاد حب وتعظيم الكعبة عند الناس، وكانوا يترخون بعام الفيل، فحكم اليمن بعد ذلك يخثوم بن أبرهة الأشرم ثم تولى بعد ذلك مسروق بن يكسوم بن أبرهة الأشرم.
(1) (سيرة الرسول 51) .
(2) (سورة الفيل) .
(3) (أخرجه أحمد في المسند 7241 وأبو داوود 1776 وقال شعيب الأرنؤوط: إسناداه صحيحان الأول على شرط الشيخين والثاني على شرط مسلم رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي داود فمن رجال مسلم) .