سعالي مثل عديد التراب ... تيبس منهم رطاب الشجر [1]
أرياط يحكم اليمن:-
فأقام أرياط باليمن سنين في سلطانه ذلك ثم نازعه في أمر الحبشة باليمن أبرهة الحبشي وكان في جنده حتى تفرقت الحبشة عليهما فانحاز إلى كل واحد منهما طائفة منهم ثم سار أحدهما إلى الآخر فلما تقارب الناس ودنا بعضهم من بعض أرسل أبرهة إلى أرياط إنك لن تصنع بأن تلقي الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئًا فابرز لي وأبرز لك فأينا ما أصاب صاحبه انصرف إليه جنده.
قتال أرياط وأبرهة:-
فأرسل إليه أرياط أن قد أنصفتني فاخرج فخرج إليه أبرهة وكان رجلًا قصيرًا لحيمًا حادرًا وكان ذا دين في النصرانية وخرج إليه أرياط وكان رجلا عظيما طويلا وسيما وفي يده حربة وخلف أبرهة ربوة تمنع ظهره وفيها غلام له يقال له عتودة فلما دنا أحدهما من صاحبه رفع أرياط الحربة فضرب بها على رأس أبرهة يريد يافوخه فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه وعينه وأنفه وشفته فبذلك سمي أبرهة الأشرم وحمل غلام أبرهة عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله وانصرف جند أرياط إلى أبرهة فاجتمعت عليه الحبشة باليمن.
فقال عتودة في قتله أرياط:
أنا عتودة من فرقة أردة ... لا أب ولا أم نجده
أي يقول قتلك عبده قال فقال الأشرم عند ذلك لعتودة:
حكمك يا عتودة وإن كنت قتلته ... ولا ينبغي لنا ذلك إلا ديته
فقال عتودة حكمي إلا تدخل عروس من أهل اليمن على زوجها منهم حتى أصيبها قبلة فقال ذلك لك.
الخبر يصل للنجاشي وبناء كنيسة القليس:
ثم أخرج دية أرياط وكان كل ما صنع أبرهة بغير علم النجاشي ملك الحبشة فلما بلغه ذلك غضب غضبًا شديدًا وقال عدا على أميري فقتله بغير أمري ثم حلف إلا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ويجز ناصيته فلما بلغ ذلك أبرهة حلق رأسه ثم ملأ جرابًا من تراب اليمن ثم بعث به إلى النجاشي وكتب إليه أيها الملك إنما كان أرياط عبدك وأنا عبدك فاختلفنا في أمرك وكل طاعته لك إلا إني كنت أقوى منه على أمر الحبشة وأضبط لها وأسوس لها وقد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك وبعثت إليه بجراب من تراب أرض اليمن ليضعه تحت قدميه فيبر قسمه.
فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضي عنه وكتب إليه أن اثبت على عملك بأرض اليمن حتى يأتيك أمري فلما رأى أبرهة أن النجاشي قد رضي عنه وملكه على الحبشة وأرض اليمن بعث إلى أبي مرة بن ذي يزن فنزع منه امرأته ريحانة ابنة علقمة بن مالك بن زيد بن كهلان وأبو ريحانة ذو جدن وقد كانت ولدت لأبي مرة معد يكرب بن أبي مرة وولدت لأبرهة بعد أبي مرة مسروق بن أبرهة وبسباسة ابنة أبرهة وهرب منه أبو مرة فأقام أبرهة باليمن وغلامه
(1) (ابن هشام: 1/ 153 - 154 - 155 - 156) .