ثم قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن أبي هريرة أنه كان يقول حين فتحت هذه الأمصار في زمان عمر وزمان عثمان وما بعده: افتتحوا ما بدا لكم فوالذي نفس أبي هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة ولا تفتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله - صلى الله عليه وسلم - مفاتيحها قبل ذلك.
وفي الصحيحين: إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله.
وعن جابر رضي الله عنه قال: إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة (أى قطعة من الآرض لا تعمل فيها المعاول) فجاءوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق فقال: (( أنا نازل ) )ثم قام وبطنه معصوب بحجر (أي من ألم الجوع أو خشية انحناء صلبه) ولبثنا ثلاثة أيام نذوق ذواقا (أي من جنس ما يطعم أو يشرب) فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلم المعول فضرب في الكدية فعادت كثيبا (أى تفتت) أهيل (أى يتساقط) أهيم [1] .
وكان عدد المسلمين ثلاثة آلاف وعدد الأحزاب عشرة آلاف.
المسلمون ينشدون في الحفر:-
فعمل المسلمون فيه حتى أحكموه وارتجزوا فيه برجل من المسلمين يقال له جعيل سماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرا فقالوا فيما يقولون:
سماه من بعد جعيل عمرا ... وكان للبائس يوما ظهرا
وكانوا إذا قالوا: عمرا قال معهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( عمرا ) )وإذا قالوا ظهرا قال لهم: (( ظهرا ) ).
عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
(( اللهم إن العيش عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة ) )
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا [2]
قال: يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - مجيبا لهم: (( اللهم إن لا خير إلا خير الآخرة فبارك في الأنصار والمهاجرة ) ).
وعن سهل بن سعد قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخندق وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على أكتادنا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:
(( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للمهاجرين والأنصار ) ) [3] .
وعن البراء بن عازب رضى الله عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه أو اغبر
(1) (البخارى في المغازى 3875) .
(2) (البخارى في المغازى 3873) .
(3) (البخارى في المغازى 3872) .