أيضا أداة لإضفاء الشرعية والعقلانية، وتبرير الأوضاع الاجتماعية السائدة، والتي هي في غالبها تحقق مصالح الطبقات المسيطرة، وتحقق المزيد من الانتشار والذيوع لإيديولوجيا، على اعتبار أنها الإيديولوجيا التي تحقق المصالح العامة في المجتمع. إلا أن التربية- المدرسة- وهي تحقق كل ذلك، تخلق حالة من الاستلاب لدى الطلاب والمعلمين، تلك الحالة التي تجرد الإنسان من إنسانيته، وتجعله كائنا مسحوقا، مشيئا، يعيش حالة من الاستلاب- الاغتراب- في المجتمع." [1] "
وتذهب المقاربة الصراعية إلى أن المدرسة لاتنتقي من هو أكثر كفاءة وقدرة وذكاء وإنتاجا وخبرة، بل تختار من يساير مصالح الفئة الحاكمة، ويخدم منافع الطبقة الاجتماعية السائدة. أي: إن المدرسة لاتعترف سوى بالذي يخدم مصالح الفئة المسيطرة على الحكم، ويسيطر على زمام السلطة. وبالتالي، يملك الرأسمال المادي والرمزي.
وفي هذا الصدد، يبين كولانز (Collins) بأن المدرسة تفرض على المتعلم ثقافة الطبقة السائدة، ولغتها، ومنظومتها التصورية والإيديولوجية. أي: إن المدرسة تكرس ثقافة الجماعة المسيطرة على ضبط النظام التعليمي، وتقدمها له كثقافة عالمية مشروعة. ومن ثم، فإن الأفراد المثقفين الذين تنتجهم المدرسة لايتم اختيارهم حسب إنتاجهم الثقافي، وكفاءتهم المعرفية، بل حسب خضوعهم للنظام المفروض تربويا وسياسيا، وإعلانهم التبعية للفئة الحاكمة، والطبقة السائدة، وولائهم لها، ولقيمها الرمزية. فمن خلال هذا الاستسلام الطبقي والاجتماعي، يمكن للمثقف أن يصل إلى امتلاك السلطة، والوصول إلى الثراء المادي والرمزي، لتحقيق ذاته، وتغيير أصله الاجتماعي ومنبته الثقافي والطبقي والإيديولوجي.
ويذهب كل من بورديو (Bourdieu) وپاسرون (Passeron) في كتابهما: (إعادة الإنتاج/ La reproduction) إلى أن المدرسة نتاج تقسيم العمل، وفضاء للصراع الطبقات الاجتماعية. ومن ثم، فالمدرسة تعيد إنتاج الطبقات الرمزية نفسها. أي: تعمل المدرسة على إعادة قيم الطبقة الحاكمة نفسها، وذلك عن طريق تشريب أبناء الطبقات الدنيا قيم الطبقة الحاكمة الثقافية واللغوية نفسها. ومن ثم، يجد الطفل الشعبي فوارق عدة داخل المؤسسة التربوية، تتعلق بلغته الأصلية التي قد تختلف مع لغة المدرسة، وتتنافى مع لغة الطبقة الحاكمة. كما أن الهوية الثقافية مختلفة عن هوية زملائه من الطبقة الغنية، تلك الطبقة التي قد تكون متشبعة بالهوية الفرانكفونية أو الأنگلوسكسونية مثلا. كما أن فقر التلاميذ المنحدرين من الأحياء الشعبية يجعلهم أمام ظاهرة انعدام تكافؤ الفرص على مستوى التعليم، وعدم قدرتهم على اكتساب المهارات الذكائية وقدرات التحليل والبرهنة، وقد يؤدي بهم الأمر إلى الفشل المدرسي، والرسوب، والتكرار، والانقطاع عن الدراسة، والانحراف، والتطرف. ويعني هذا أن التفاوت المادي والاقتصادي واختلاف دخل الأسر يساهم في تأجيج الصراع الاجتماعي بين المتعلمين داخل
(1) - د. شبل بدران: التربية والإيديولوجية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1991 م، ص:63.