لعلّه من نافِلة القول تأكيد أمْرٍ يبدو أنه قد أمْسى إحدى مُسلّمات البحْث في شتى حُقول المَعرفة، وهو أهمّية المَنهج في الدراسات الأدَبية والفنّية وغيرها. فهو الذي يُنير دُروب الباحث، ويوفّر أسباب بلوغ"الحقيقة"المَبحوث عنها، ويُرشّح نتائج البحث للاعتماد ... وذلك بفضْل ما يقدّمه للمُشتغلين بمجالات البحث العلمي عامّةً من مفاهيمَ وتقنياتٍ وإجراءات عَمَليّة تُعينُهم على قراءة الظواهر والنصوص ملاحظةً وتفكيكًا وتحليلًا وتأويلًا وتقويمًا. وبقدْر ما تكون صُوَى المنهج واضحةً، وآليات اشتغاله محدَّدة بدقة، يكون أداءُ الآخِذِ به ناجعًا، وحَفرُه في أديم المَدروس وغَوْره فعّالًا، ومسارُه مضبوطًا جَلِيًّا؛ ممّا يجعل مردودَه في المقارَبة والمعالجة مضمونَ الثمار موْفورَها. وبدون ذلك لن يستقيم للباحث سيْرٌ في مسْعاه نحو كشْف الحقيقة أو البرْهَنة عليها.
وإذا كانت المسألة المِنهاجية قد نالتْ حَظّا وافرًا من اهتمام دارِسي الغرْب ومُنَظِّريه في الآداب والفنون والإنسانيات، منذ أمدٍ بعيد، إلاّ أنها، عربيًا، لم تَحْظَ - كما هو بادٍ - بمِثل تلك العناية ولا بقريبٍ منها، بالرغم من أن نُقودَنا الحديثة والمعاصرة تظلّ، في أغلب الأحايين، عالةً على النقد الغربي ونظرياته ومفهوماته ومناهجه في الدراسة. ولا يَخفى، كذلك، حجْم الاضطراب الذي يَسِمُ المنهج في مشهدنا الأدبي منذ الستينيات، من جوانب مختلفة ليس أقلّها شأنًا مسائل المُصطلح ومدى استيعاب جَوْهره والتمكُّن من ضَبْط أدواته وفِقه مُقوِّمات كِيانه الإجْرائية. الأمْرُ الذي يدعو، بإلحاح، إلى إيلاء القضية المنهاجية في الدراسات الأدبية والإنسانية، عمومًا، مَزيدًا من الاهتمام بَدْءًا منَ الوُقوف على مَرجعيات مناهج النقد الغربيّ الوافدة وسياقاتها، وانتهاءً بضبْط ميكانيزمات اشتغالها تمهيدًا لتوظيفها الواعي في فكّ مُسْتغْلَقات النص العربي، وتجْلية قيَمه الفكرية والجمالية، بعد الاجتهاد في تبْيِئتها وخلْق جُسورِ تواصلٍ بينها وبين أدبنا بما له من خَواصّ تُميِّزه.
ولا تُطْرَح مسألة المنهج لدينا طرْحًا واحدًا، متماثلًا في حِدّته وحجم إشكالاته، بل إن ذلك يتبايَن من حقل معرفي إلى آخَر؛ لأنّا نُلْفي حُقولًا التفتت إلى تلك المسألة منذ عقود، وحاولت المُضيّ بها أشواطًا إلى الأمام؛ فكان من متطَلَّبات ذلك ونتائجه، معًا، أنْ ظهرت فيها كتابات واجتهادات راميةٌ إلى رسْم طريق البحث فيها، واسْتجلاء معالمها وآلياتها وتقنياتها. وفي المُقابل، نرى حقولا أخرى ما تزال في مَسيس الحاجة إلى رَفْدها بتآليفَ تخصُّ الشأن المنهجي فيها؛ كما هو الحال بالنسبة إلى مجالات البحث التربوي العربي.
إن لمْحةً عَجْلى إلى واقع البحث التربوي، ضمنَ منظومة البحث العلمي العربي بعامةٍ، تَنِمّ عن وجود خصاص ونقص في عددٍ من جوانبه، بخلاف ما هو ملحوظ، مثلًا، في مجال البحث الأدبي. ويتأكد ذلك النقص من خلال الشَّكاوى المتكرِّرة التي تُسْمَع، مِرارًا، من الباحثين في علوم التربية أنفُسِهم، ومن المتدرِّبين في مراكز التكوين. لذا، تجدُ كثيرين منهم يُقْدِمون على إنجاز أبحاثهم التربوية والديدكتيكية متوسِّلين بمناهجِ النقد الأدبي ونظرياته ومفاهيمه، ناسِين - أو مُتناسين - ما بين المجاليْن البَحْثِييْن من فروق مائزة! صحيحٌ أن جملةً من مقوِّمات المنهج