الصفحة 6 من 193

في الدرس النقدي والأكاديمي تنسحبُ على البحوث التربوية والبيداغوجية، ولكنها - في الآن نفسِه - تستلزم إعْمالَ تقنيات وإجراءات منهجية أخرى خاصّةٍ تلائم طبيعتَها.

ومع توالي الاهتمام بالبحث التربوي، في ظلّ مناخٍ علمي أوْمأنا إلى بعض تجلياته، تزداد حاجتنا إلى تكوين مكتبة متخصصة غنيّة توفِّر للباحثين في التربية وعلومها ما يحتاجونَه من دراسات نظرية وتطبيقية، مؤلَّفة ومترْجَمة وبلغات أجنبية كذلك، ومن دلائل وكتابات رَصينة تُعينُهم على امتلاك آليات البحث التربوي، والتحكم في خُطْواته ومهاراته، وضبْط مناهجه، على اختلافها، ضَبْطًا يُيَسِّر عليهم سُبل البحث وبلوغ النتائج المَرْجُوة. إن القول بخُلوّ المكتبة العلمية العربية من تآليف من هذا القبيل مُجانبٌ للصواب وللواقع الملموس؛ لأنها تضمّ بين ثناياها عددًا من الكتب والدراسات في ميدان البحث التربوي وتقنياته وطُرُقه ونحْو ذلك، ولكنّ ذلك يظل غيرَ كافٍ؛ مما يستوجب الاحتفال أكثر بهذا المجال تأليفًا وترجمةً.

ويأتي كتابُ الدكتور جميل حمداوي، الذي بين يديْك، ليُسْهِم في سدّ بعض النقص الملحوظ في هذا الباب، وليُقدّم للباحثين التربويين والمُدرّسين المتدرِّبين في معاهد التكوين عُدّة منهاجية تُساعدُهم على إنجاز أبحاثهم ذات الصبْغة التربوية، وإعداد محاورها النظرية والتطبيقية الميْدانية معًا. وهو يقع في عِدّة فصول مترابطة ومتكاملة يجمعها هدف أساسٌ، يكْمُن في التعريف، بتفصيل، بمناهج البحث المعتمَدة في الحقل التربوي، والتي وَفدت علينا من بِيئات ثقافية أخرى سجّلت تقدُّمًا مُطَّردًا في هذا النطاق. ويكمن، كذلك، في تِبيان آليات البحث التربوي (سواء أكان نظريًا أم عَمَليًا أم تدخُّليًا) ومَفاصله ومكوِّناته البنائية، وفي إطْلاع القارئ العربي على أهمّ تقنياته وأدواته الإجرائية، بأسلوبٍ يزاوج بين الشرْح النظري العامّ والتطبيق والتمثيل بحالات مُسْتقاة من الواقع المدرسي أساسًا. ولم يغْفل الدكتور حمداوي قضايا لا تُعْطى لها العناية اللازمة أحيانًا، وإنْ كانت ذات أهمية بالغة، في أي بحْث علميّ، بما في ذلك البحوث التربوية، ونقصد ما له صلة بلغة البحث وأسلوبه وتراكيبه، مع تركيزٍ واضح على بعض القضايا والمسائل اللغوية التي يُخطئ فيها الباحثون التربويون كثيرًا؛ مِنْ مثل كتابة الهمزة المتوسطة، وإعراب بعض أصناف الكلمة، واستعمال علامات الترقيم على نحْو سليم. وبالنظر إلى ذلك كلِّه، تتبدّى فائدة هذا الكتاب الذي يروم الاستجابةَ لمتطلَّبات قطاع واسع من الباحثين التربويين والأساتذة المُتدرّبين الذين يتابعون تكوينهم المِهْني والبيداغوجي في مراكز مِهَن التربية والتكوين، والإجابةَ عن كثير من أسئلتهم المتمَحِّضة لمنهج البحث التربوي بوَجْه عامّ.

الناظور، في: 02/ 12/2012.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت