الصفحة 93 من 193

نتاج تصورات إيديولوجية، تمارس العنف الرمزي من خلال النظام التربوي أوالتعليمي أوالصفي المفروض على المدرسين والمتمدرسين لتنفيذه وتطبيقه وتمثله، وهو مقنن بمناهج وبرامج ومقررات محددة بدقة، وذلك على مستوى الأهداف والغايات والمرامي التي لاتخدم في الحقيقة سوى مصلحة الطبقة المالكة للسلطة والثراء، أو الحائزة على الرأسمال الثقافي ..

إذًا، مانوع المدرسة التي يشير إليها النص؟ وإلى أي مدى يمكن اعتبار المؤسسة فضاء للصراع الاجتماعي والطبقي والإيديولوجي؟ وكيف نستطيع أن نجعل من المدرسة فضاء للتوحيد، والمساواة، وتلافي الصراع الجدلي والثقافي واللغوي والاقتصادي بين المتعلمين. وبالتالي، تحويل المؤسسة التعليمية إلى مؤسسة التعايش الطبقي، وفضاء للانسجام المتكامل القائم على التعاون والتواصل والتفاهم من أجل خدمة الوطن والأمة بشكل جماعي؟

يبين لنا النص بأن المدرسة المرصودة هي مدرسة تقع بين منطقتين متفاوتتين اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وعمرانيا، وقد ترتب عن هذا التباين اختلاف جوهري، مس جميع مظاهر الحياة المدرسية، سواء على صعيد المؤسسة أم على صعيد القسم الصفي. ويعني هذا أن المدرسة التي تقع بين منطقتين مختلفتين سوسيواقتصاديا وثقافيا، أثرت سلبا على الفضاء المدرسي، من خلال تجسيد التفاوت الطبقي، وبروز التناقضات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وقد ولد هذا الاختلال والتباين مجموعة من الصراعات الرمزية، بل والمادية أيضا، كما تتمظهر في العنف، والاحتقار، والازدراء، والنظرة الدونية التي يستشعرها المتعلم الذي ينتمي إلى الطبقات الدنيا، ناهيك عن الاستلاب والتغريب الذي يحسه كذلك داخل الصف الدراسي بين زملائه التلاميذ ذوي الأصول الاجتماعية الغنية.

ويتجلى هذا الصراع أيضا على مستوى الهوية، والانتماء، والثقافة، واختلاف السنن اللغوي واللهجي، بله عن الصراعات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعرقية. ومن هنا، تتحول المدرسة إلى فضاء التطاحن، والعداوة، والكراهية، والصراع الجدلي، بله عن الحقد الذي يتشربه التلاميذ الفقراء شعوريا ولاشعوريا إزاء أبناء المحظوظين. ولايتشكل هذا الصراع بهذه الخصائص النفسية والاجتماعية الصارخة إلا في المجتمع الرأسمالي، أو المجتمعات المتخلفة التي تتصارع فيها البنيات الفوقية والبنيات التحتية صراعا جدليا، يقوم على النفي والإزاحة والتركيب.

ويؤيد هذا الطرح الذي يعتبر المدرسة فضاء للصراع الجدلي - ما ذهب إليه الدكتور شبل بدران- الذي يعتبر المدرسة من أخطر أجهزة الدولة الإيديولوجية، إلى جانب مؤسسة الإعلام، والمؤسسة الدينية، والمؤسسة السياسية، والمؤسسة الثقافية. ومن ثم، فالمدرسة أداة للاستلاب والاغتراب؛ لأنها تجرد المتعلم من إنسانيته، وتشيئه، وتخضعه لإيديولوجية التطبيع والتكييف، والمحافظة على أعراف المجتمع، وتمثل قيمه الموروثة، والاسترشاد بمبادئه المرسومة في الدستور، والذي يجسده بكل وضوح الميثاق الوطني للتربية والتكوين وديباجة فلسفة النظام التربوي التعليمي، وتشخصه أيضا مقدمات المقررات والبرامج والمناهج الدراسية. وفي هذا السياق، يقول شبل بدران عن المدرسة بأنها:"أداة للحقن الإيديولوجي للإيديولوجيا السائدة. والتي هي بطبيعتها إيديولوجيا الطبقة السائدة، وفي اعتبارها"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت