الصفحة 80 من 193

وقد تصاغ دراسة الحالة في شكل أحداث، ومواقف افتراضية خيالية أو واقعية، مستمدة من مشاكل الأفراد أو الجماعات أو المؤسسات، وقد تكون مشاكل مستعصية قدمت لها معالجات فاشلة، فتحولت إلى نصوص رمزية عامة، لجعل المتدربين والباحثين التربويين والمدرسين والإداريين يفكرون في طرائق معالجتها، وذلك بواسطة استعمال الفكر النقدي، والغربلة الذهنية، لإيجاد الأجوبة الممكنة والملائمة. وبتعبير آخر، إن دراسة الحالة عبارة عن موقف معقد، يعطي للمحلل المجال لاستخدام كفاءاته الذهنية والتحليلية والمنهجية، لتحديد المشكلة المستعصية، أو استكشاف نقطة الخلاف الرئيسة في هذا الموقف المعطى، واقتراح مايراه من حلول ناجعة لمعالجة هذا الموقف. وتحضر دراسة الحالة- كما أثبتنا ذلك سالفا- في شكل نص سردي أو قصصي، أو في شكل سينوبسيس سينمائي، مذيل بالأسئلة التي ينبغي ألا تتعدى ثلاثة أسئلة، في ظرف زمني لا يتعدى ساعتين.

كما تجمع دراسة الحالة، في مضامينها، ووسائلها، وآلياتها المفاهيمية والإجرائية، بين الجوانب النظرية والجوانب التطبيقية. ومن ثم، تقرب المدرسين والمتدربين من الواقع، لمعالجة المشاكل ميدانيا وتجريبيا، بدلا من الاكتفاء بالنظريات والتصورات المجردة فقط. وتساعد هذه الطريقة على التشبع بالمنهج الديمقراطي، والتعبير عن الآراء بكل حرية، والاحتكام إلى الفكر النقدي الحر. ومن عوامل نجاح أسلوب دراسة الحالة التربوية قدرة كاتب الحالات التربوية على تحبيك القصة، وإبراز المشاكل والقضايا المستعصية، وصياغة الأسئلة الملحقة بالحالة، بصورة تساعد على تحيين المشكلات والوضعيات الصعبة، والتي تسعف الدارس بدورها على حلها، مع ربط الحالة المدروسة بقضية تربوية أو تعليمية أو إدارية.

وتقوم دراسة الحالات الإدارية على فلسفة مؤداها أن تحليل نماذج من الممارسات الإدارية السائدة في الواقع العملي، وتفحصها بشكل نظري، خطوة ضرورية للمتدرب، من أجل الإحاطة بالعمل التربوي والديداكتيكي والإداري، وفهم عناصره، والتّدرب على اتخاذ القرار الصائب قبل التطبيق الفعلي؛ لأنه يعطي المتفحص فرصة الاجتهاد والتجريب، بعيدًا عن ضغوط العمل الفعلية، والعوامل المؤثرة في اتخاذ القرار.

(كيف انتقلت دراسة الحالة إلى البيداغوجيا؟

من المعروف أن دراسة الحالة قد طبقت في بدايتها في مجال البحث العلمي، وبحوث علم النفس، وعلم الاجتماع، والطب، والاقتصاد، وعلم الإدارة، وعلم التدبير والتسيير، ولم تطبق في مجال التقويم والبيداغوجيا إلا في السنوات المتأخرة من القرن الماضي. ويعني هذا، أن دراسة الحالة لم تظهر إلا في الخمسينيات من القرن العشرين في مجال الدراسات الاجتماعية والسيكولوجية القائمة على التجريب، والتحقيق، والأرشفة، والتوثيق الإحصائي والعلمي ... وقد استعملت دراسة الحالة في عدة ميادين ومجالات متنوعة ومختلفة، منها: العلوم الاجتماعية، والعلوم السياسية، وعلم النفس، والطب، والتسيير الإداري، والعلاقات الدولية، وعلم التقويم ....

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت