يتأكّد لنا وفق ما نراه من تجارب واقعيّة بأن عقول النساء أحيانا أعظم من عقول الرجال في التفكير واتخاذ القرار [1] . (117)
كما استدل أصحاب هذا الرأي بدليل آخر من السنّة النبويّة وهو قول رسول الله (صلى الله وعليه وسلم) : (لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة) ، فهذا الحديث صريح في عدم الفلاح لمن يولّي ويسند أمور الدولة للمرأة، وينذر بخسارة وعدم نجاح لمن يقدم على هذا الأمر، وعموم لفظ (قوم) يشمل كون القوم من الرجال والنساء، أو من الرجال فقط.
وإذا أردنا أن نبحث في معنى كلمة (أمر) في الحديث نجد أن المراد به ... الأمر العظيم، وهو الإمامة والحكم، وعدم الفلاح في هذا التولية يوجب الابتعاد عنها، والنقول كثيرة عن العلماء والفقهاء في التحذير من إناطة الولايات العظمى للمرأة [2] . (118)
وقد نوقش هذا الدليل بأنّه مخصوص بواقعة معيّنة وهي أن الرسول (صلى الله وعليه وسلم) لما بلغه أن أهل فارس قد ملّكوا عليهم بنت كسرى؛ وذلك لعدم وجود من يتولّى الحكم من البنين، فالأمر خاص بهذه الواقعة لعدم الصلاحيّة في رجالهم، ومما يؤكّد على ذلك أن ثمة أقوام قد ولّوا أمرهم للنساء فأفلحوا، ومن هنا فإنّه يجب التخصيص للعموم بهذه الواقعة، وهي واقعة فقدان الملك للرجال الصالحين مما يجعله مضطرا إلى العدول إلى النساء.
إلا أن أصحاب الاتجاه الأوّل ردّوا على الاستدلال بخصوصيّة هذا الحديث بأن هناك قاعدة أصوليّة بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلا تخصيص في هذا الحديث الذي ورد على سبيل العموم.
3.الإجماع والواقع التاريخي: إن الولاية العامّة قصرتها الشريعة الإسلاميّة على الرجال، والواقع العملي يؤكّد على ذلك منذ فجر الإسلام، فإنّه لم يثبت أن شيئا من هذه الولايات العامّة قد أسند إلى المرأة لا مستقلّة ولا مع غيرها من الرجال، وذلك على الرغم من وجود نساء في ذلك الأوان على درجة كبيرة من الفقه والثقافة، ورغم ذلك لم يطلب منهن الاشتراك في هذه الولايات، ولو كان ثمّة مسوّغ شرعي لذلك لما أهمل، فمثلا لم تشترك في البيعة الخاصّة في السقيفة، ولا في البيعة العامّة بعدها، وهناك اجتماعات شوريّة كثيرة عقدها النبي (صلى الله وعليه وسلم) ولم يدع إليها المرأة، ولم تول أبدا على الأمصار، لذلك فالإجماع منعقد في اشتراط الذكورة كشرط للإمامة والولايات العامّة.
وقد نوقش أصحاب الدليل السابق بأن تقلّد النساء للولايات العامّة في صدر الإسلام محقق ومؤكّد، فقد ولّى عمر بن الخطّاب (رضي الله عنه) أم الشفاء حسبة السوق، والحسبة بلا شك من الولايات العامّة [3] . (119)
(2) الأنصاري - عبد الحميد إسماعيل، الشورى وأثرها في الديمقراطية (دراسة مقارنة) ، مرجع سبق ذكره، ص 282.
(3) الأنصاري - عبد الحميد إسماعيل، الشورى وأثرها في الديمقراطية (دراسة مقارنة) ، مرجع سبق ذكره، ص 297.