الباب الأول
تأصيل النظرية الإسلامية لحقوق المرأة ودورها في المجتمع
عندما أرسل المولى عز وجل رسوله الكريم (صلى الله وعليه وسلم) إلى الناس كلّفه بأداء الرسالة للإنس والجن، وللذكر والأنثى، فكما أن هناك وحي قد أوحي إليه يتعلق بالذكر، فهناك من الوحي ما استأثرت به النساء، كما أن غالب التشريعات والنصوص قد جاءت تخاطب كلا الجنسين على السواء.
فهناك مساواة محضة في الخطاب الديني بين كلا الجنسين، وهذا الأمر يؤكّد بلا شك أن الدور الذي يقوم به كلا منهما في بناء المجتمع وتحقيق تفاعلاته دورا تكامليا لا يمكن أن يتأتى بأحدهما دون الآخر، فكما اختص المنهج الرباني الذكر بعدد من الخصائص حتى يؤدي دوره، فإنه قد اختص كذلك الأنثى بعدد من الخصائص حتى تؤدي دورها في المجتمع جنبا إلى جنب معه.
ومما لا شك فيه أن فهم طرفي العلاقة للدور الذي يقوم به كل منهما يحقق نوعا من التوازن التفاعلي في نطاق المجتمع، كما أن فهم حدود المساهمة في الدور المشترك بين كل منهما، والتي تنطلق من خلال درجة التفاعل الموجودة في المجتمع يحقق مزيدا من التجانس في تفعيل الجهود بين مختلف أفراد المجتمع بجنسيه.
ولكن ما لا بد من طرحه في هذا المقام هو ضرورة فهم المنهج الذي يمكن من خلاله تحديد الأدوار على نحو يكفل تكاملها، ويحقق انسجامها وتجانسها، وهذا الأمر من دون شك يحتاج منا إلى جهد ينطلق من ثوابت راسخة.
ومما لا شك فيه أن البشرية تجمع دون اختلاف على أن هناك حقيقة قد أكّدت عليها النصوص الشرعية، واقتضتها الحكمة الإلهية تحقيقا لتكامل الأدوار، وهي من دون شك تتمثل في أن الذكر ليس كالأنثى، وهذه الحقيقة نجمت عن اختلاف جذري وفسيولوجي في تكوين كل منهما، وهو أمر من دون شك قد ولّد في غالب الأمر تباينا في القدرات والطاقات، فما يقوى عليه الرجل قد تعجز عنه المرأة، وما تمتلكه المرأة قد لا يتملكه الرجل، وتبقى في النهاية نقطة التقاء بين كلا الطرفين تحكمها قاعدة مفادها أن (لكل مجتهد نصيب) ، ولا بد أن نؤكّد على أننا لا بد أن نخترق من خلال هذه القاعدة نظام الكون، فنجعل للمرأة واقعا يكتسح بمساحته دور الرجل ومسئولياته تجاه الحياة.
والمنهج الرباني بصفته منهجا جامعا مانعا قد تناول بشيء من التفصيل حقيقة العلاقة التكاملية بين الذكر والأنثى، وبين الرجل والمرأة، فهو المنهج الأوحد الذي أعطى للمرأة كرامتها، ومنحها دورها المستحق الذي يمكن من خلاله أن تخدم أمة الإسلام، وهو بذلك قد أرسى عددا من القواعد الشرعية التي عززت من مكانة المرأة مقارنة بما كانت عليه قبل ذلك.