ولكن لا بد من الفهم الدقيق للقواعد الشرعية التي أصّلت دور المرأة في المجتمع، والتي جعلها تمتلك دورا فاعلا لا يقل عن دور الرجل أبدا، فهي بما تقوم به من دور تترك بصمة عظيمة الأثر على واقع المجتمع، كما أنها تساهم جنبا إلى جنب مع الرجل في استشراف مستقبل الأمة الإسلامية.
إن الواقع الذي يفرض نفسه على الساحة عبر جميع العصور، وخاصّة في ظل التخلّف الذي تعيشه المجتمعات الإسلامية، لا سيما وأن نسبة الإناث تقارب نسبة الذكور يحتّم علينا السعي نحو مزيد من التفعيل لدور المرأة، وهو ما يمكن أن نصل إليه من خلال تلاقح الأفكار بين العقلاء من رجال ونساء المجتمع.
وقبل أن ينطلق هؤلاء العقلاء من خلال ما يعكسه واقعهم في بسط للأفكار حول تحديد الأدوار، لا بد من الانطلاق في ذلك من خلال فهم متعمّق للنظريّة الإسلامية التي حدّدت دور المرأة في المجتمع تحديدا دقيقا يمكن أن نفعّل قواعده على أرض الواقع أيا ما كان المكان، وأيا من كان الأشخاص، وأيا ما كان الزمان، فهي شريعة ممتدة لا تنقطع إلى يوم القيامة، كما أن مرونتها التي تتمتع بها من خلال فهم العقلاء من المجتهدين هو الذي يحافظ على قواعدها راسخة في فكر، وكيان، ووجدان المجتمع.
ومن أجل نوع من الإضافة للفكر الاجتهادي حول حقيقة دور المرأة في المجتمع نحاول أن نسلّط الضوء على عدد من المحاور التي نستعرض من خلالها عددا من الآراء حول مجموعة من المفاهيم الشائكة التي تدور في فلك دور المرأة في دعم التنمية والثقافة في المجتمع.
ولكن قبل ذلك لا بد أن نؤكّد على المكانة التي حازتها المرأة في الإسلام، والتي تنطلق من خلال اجتهادات فكرية مستنيرة ترتكز على نظرة إلهية محضة، ولا نود أن نستعرض حال المرأة في ظل حضارات ما قبل الإسلام؛ فهو باب قد طرقه كثير من الباحثين، ويكفينا أن نستعرض عددا من القواعد والمواقف التي تؤكّد على هذه المكانة العظيمة، ويكفي المرأة المسلمة فخرا أنها أول من حمّلت على أكتافها الدعوة الإسلامية المجيدة.
كما نتطرق في هذا الباب كذلك إلى عدد من القضايا المحورية التي أثارت إشكالا ليس على مستوى المرأة فحسب، بل أثارت الإشكال في واقع المجتمع ككل، وهي أمور من دون شك تحكمه التفاعلات التي تجري في واقع المجتمع، ويديرها من دون شك القناعات التي تتأصّل في ذات أفراد المجتمع بمختلف أطيافه.
فقضيّة مساواة المرأة بالرجل التي سنستعرضها في الفصل الثاني من هذا الباب لم تكن مطروحة في القرون الأولى المفضّلة، وهي من دون شك فكر غربي مستورد يحاول الغرب أن يغرسه في وجدان المرأة المسلمة حتى تؤكّد ذاتها في مجتمعها بحق ومن دون حق، وذلك بأن تنسى أو تتناسى أن دعوتها هذه إلى المساواة تعزز من عقدة النقص لديها.