مختلفون في الأمور التي تصح شهادة المرأة فيها، فابن جرير وابن حزم يريان أن المرأة تشهد في كل شيء، أما ابن القاسم فيرى أن شهادتها لا تصلح إلا في القضايا الأموال، وما لا يطّلع عليه الرجال غالبا كالولادة، واستهلال المولود، وعيوب النساء التي تحت الثياب كالرتق والقرن [1] . (112)
وقد اختلف أصحاب هذه الآراء الثلاثة ولكل دليله على ما ذهب إليه، ولعل منبع الخلاف في تولّي المرأة للقضاء قد نشأ عن مسألة جواز توليها للولايات، ولكل دليله في هذا المقام.
إلا أن الرؤية التي يمكن أن نخلص لها بعد هذا الخلاف يمكن أن ننقلها على لسان الدكتور محمد رأفت عثمان بقوله: (تصح تولية المرأة القضاء في القضايا التي يكون طرفا الخصومة فيها من النساء، كالحوادث التي تحدث بينهن في مجالسهن الخاصّة؛ لأن القضاء في الحقيقة هو إظهار الحكم الشرعي في قضيّة من القضايا، فالقضاء في الحقيقة هو فتوى، ولا أظن أن أحدا يجادل في أن كلا من الرجل والمرأة يستويان في هذه الناحية. وغاية ما هنالك أن القضاء فيه إلزام بخلاف إظهار الحكم الشرعي من المفتي مثلا، لكن يمكن أن نقول إن الإلزام بعد حكم القاضي إنّما جاء من الشرع، لا من القاضي، وواسطة التنفيذ هنا هي الحاكم.
ولا أدري ما الفرق - من ناحية صحّة الحكم شرعا - بين أن يسأل البعض المرأة الفقيهة عن الحكم في مسألة من المسائل على سبيل الفتوى، فتجيب بما فتح الله به عليها بين هذه الصورة، وصورة أخرى وهي أن يجلس أمامها طرفان لكل منهما حجّة، فتستمع لكل طرف، ثم تبيّن الحكم الشرعي فيما سمعته على سبيل القضاء، لا أرى فارقا بين الصورتين إلا فيما يترتّب على القضاء من الإلزام في التنفيذ، وهو فرق لا يخرج الفتوى عن أن تكون أيضا واجبة التطبيق، سواء أكان بيانها عن طريق القضاء أو الفتوى التي وثق المستفتي بمن أفتاه.
وإذا قلنا بهذا الرأي فإننا نشترط شرطا هو أن يكون ذلك في غير مسائل القصاص والحدود؛ لأنّه قد ثبت أن المرأة بتكوينها النفسي والعاطفي قد تضعف عن نظر قضيّة قتل، وقد نشرت صحيفة الاتحاد التي تصدر في أبو ظبي في العدد الصادر بتاريخ 23/ 2/1988، أن قاضية في روما أصيبت بالإغماء عند سماعها تفاصيل جريمة قتل رهيبة حدثت في إيطاليا، قام فيها المجرم بتقطيع أوصال المجني عليه قبل أن يفارق الحياة، ولك أن تتصوّر ما يحدث في جلسة محاكمة عندما تصاب القاضية بالإغماء، فعدم تولّي المرأة القضاء في قضايا القصاص يصون المرأة من أن تتعرّض لموقف يهز وجدانها وعواطفها، وكذلك لا يسمح لها بالقضاء في قضايا الحدود؛ لأنّه لا يصح عند جمهور العلماء أن تشهد فيها، فلا يصح لها أن تقضي بطريق الأولى، ولا نتصوّر أن تنظر المرأة قضيّة جريمة الزنا، ولا يؤدّي سماعها لتفصيل
(1) محمد رأفت عثمان، النظام القضائي في الفقه الإسلامي، الطبعة الخامسة، 1422 هـ - 2002 م، ص 95، - ومعنى الرتق انسداد محل الجماع من المرأة بلحم، ومعنى القرن انسداده بالعظم.