الصفحة 92 من 144

أما ابن جرير الطبري، وهو المؤرّخ، والمفسّر، والفقيه المعروف، فإن بعض المصادر تنسب له القول بجواز أن تكون المرأة قاضية على الإطلاق في كل شيء، وليس لها في ذلك مجال محدد، بل يصح لها أن تتولاه في كافة أنواع القضايا.

ويرى بعض الباحثين الفضلاء أن هذا الرأي المنسوب لابن جرير الطبري خطأ من الناحية التاريخية، والناحية الموضوعيّة.

أما الناحية التاريخية فلم يثبت عن ابن جرير هذا النقل، ولم يصح عنه كما صرح ابن العربي بذلك المفسر المعروف.

كما أن هذا النقل لم ينسب إلى أي كتاب من كتب العالم الجليل، ولم يرو عنه بسند من الأسانيد، وهذا ما يؤدّي إلى عدم الاطمئنان إلى صحة نسبة هذا القول إلى ابن جرير من الناحية التاريخية.

أما من الناحية الموضوعية فإن هذا القول مخالف لإجماع علماء الأمّة السابقين على عصر ابن جرير على عدم جواز تولية المرأة القضاء، فليس لابن جرير سلف من الفقهاء يرى جواز تولية المرأة القضاء، والقول إذا كان مخالفا لإجماع علماء الأمّة، ولم يكن في عصر المجمعين فإنّه يكون مردودا؛ لأنّه إذا انعقد الإجماع في عصر من العصور على حكم شرعي، فلا يجوز لمن جاء بعد هذا العصر أن يخالف الحكم الذي أجمع عليه العلماء، وعلى هذا فنسبة القول بجواز أن تتولى المرأة القضاء إلى ابن جرير لا تصلح رواية ودراية.

على ذلك نجد بأن العلماء مختلفون في اشتراط الذكورة كشرط لتولي القضاء على ثلاثة آراء:

? وهو ما يراه جمهور العلماء كما ذكرنا سابقا، وهم يرون عدم جواز تولي المرأة لهذا المنصب، ولو ولاها الحاكم هذا المنصب فإنّه يأثم، وهي أيضا لرضاها بأمره، ولو حكمت في أي قضيّة من القضايا، سواء أكانت من القضايا التي تصح شهادتها فيها كالأموال والرضاع أم لا، ولا ينفّذ قضاؤها، فالذكورة عند الجمهور شرط لتولي القضاء مطلقا.

? وهو ما يراه الحنفيّة - غير زفر - أنّه لا يجوز تولية المرأة القضاء، ولكن لو ولّيت هذا المنصب - مع إثمها وإثم من ولاها فحكمت، فإنّه ينفّذ حكمها في الأمور التي يصح لها أن تشهد فيها، وهي ما عدا مسائل الحدود والقصاص، فالحنفيّة يرون كما يرى الجمهور أن قضاء المرأة في الحدود والقصاص لا ينفّذ، ولو كان ما قضت به موافقا للحق، أما إذا حكمت في غير الحدود والقصاص فينفّذ حكمها، فالذكورة عند الحنفيّة شرط جواز لا شرط صحّة.

ومما يدل على أن الحنفيّة يرون عدم جواز تولية المرأة منصب القضاء أن قاضي القضاة كان في أكثر العصور السابقة حنفيا، وكان من مهامه تولية القضاة في جميع البلاد الإسلاميّة، ولو كان تولّي المرأة القضاء جائزا لا إثم فيه عند الحنفيّة لحدث ذلك ولو مرّة في العصور السابقة.

? وهو ما يراه محمد بن جرير الطبري، وكذلك ما يراه الحسن البصري أحد كبار فقهاء التابعين، وابن حزم الظاهري، وابن القاسم من المالكيّة أنّه يجوز تولية المرأة القضاء، وينفّذ قضاؤها في جميع ما تصح فيه شهادتها، غير أن هؤلاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت