الصفحة 91 من 144

إن الخلافة الشرعية حسب ما تتطلبه من أمور تحتاج إلى رجل للقيام بها، وذلك لعدم جواز قيام المرأة ببعض الأمور، أو عدم تكليفها بها، ولكن ما أثاره الدكتور برهان زريق جدير بالمناقشة، فهو يؤكّد على أن هناك فرقا شاسعا بين الخلافة الإسلامية في السابق، وبين رئاسة الدولة في الوضع الراهن، فالمرأة إذا حكمت في الوضع الراهن ليست مطالبة بدعوة الناس إلى صلاة الجمعة، كما أنها لا تشارك فعليا في المعارك، إنما تكون لها سلطة بإصدار قرار بإعلان الحرب، فهي لا تتعرّض لهذه المحرجات التي أشار إليها الدكتور البوطي، هذا فضلا عن أنها أثبتت جدارتها في تقلّد هذه المناصب أفضل من كثير من الرجال الذين حكموا الكثير من الدول، فهل يمكن أن نعتبر ذلك مسوّغا لإجازة تقلّد المرأة للخلافة؟

أرى من خلال ما طرحت من تساؤل حول هذه المسألة أنه إذا كانت المرأة قد أثبتت جدارتها في تقلّد هذه الأمور، وتفوّقت على الرجال في قيادة الأمّة نحو مستقبل مشرق، واستطاعت بقدرتها القضاء على الكثير من المشاكل والمحن التي تواجه الدولة، وكان تطوّر الدول قد وصل إلى درجة جعلتها لا تشارك في الحروب، ولا الحضور لصلاة الجمعة، فإن رئاسة الدولة تصبح حينئذ رئاسة سياسية محضة، وهو ما لا نخالف في جدارتها لتولي ذلك.

إلا أن الخلافة الشرعية التي نبتغي قيام الدولة الإسلامية على قاعدتها بمهامها الدينية والسياسية التي ينبغي أن يقوم بها خليفة المسلمين، ويكون مؤهلا لها لا تعد المرأة مؤهّلة لها؛ وذلك لأنها غير مكلّفة ببعض مهامها الدينية.

رابعا: رؤية التشريع الإسلامي لتقلّد المرأة للقضاء:

لقد أثير جدل عارم وكبير حول مسألة تقلّد المرأة للقضاء، وهو بالتحديد اختلاف حول شرط الذكورة في تولّي القضاء، فإذا كان الفقهاء لم يختلفوا حول مسألة العدالة، والحرّية، والعقل وغير ذلك من الشروط، فإنّهم قد اختلفوا حول اشتراط الذكورة فيمن يتولّى القضاء، وهو خلاف قد أخذ حيّزا كبيرا قديما وحديثا.

فجمهور الفقهاء - وفيهم جمهور المالكيّة، وكذلك فيهم الشافعيّة، والحنابلة، وزفر من الحنفيّة، والشيعة الإماميّة، والشيعة الزيديّة، والأباضيّة - يرون أنّه لا يجوز تولية المرأة القضاء في أي نوع من أنواع القضايا، سواء أكانت في قضايا الأموال، أم في قضايا القصاص والحدود، أم في غير ذلك، ولو ولّيت المرأة القضاء كان من ولاها آثما، ولا ينفّذ حكمها حتى ولو كان موافقا للحق، وكان في الأمور التي تقبل فيها شهادتها.

فالجميع متفقون في هذه الذاهب على عدم جواز تولية المرأة القضاء، إلا أن بعض الفقهاء من الأحناف عندهم تفصيل مفاده بأنّها إذا وليت المرأة القضاء فإن في ذلك كراهة تحريمية، ومن ولاها يأثم، وإذا حكمت في الأمور التي تصح فيها شهادتها فإن حكمها ينفّذ إذا وافق كتاب الله جل وعلى، وسنّة رسوله (صلى الله وعليه وسلم) ، وأما إذا حكمت في الحدود والقصاص فلا ينفّذ قضاؤها، حتى ولو وافق كتاب الله جل وعلى، وسنّة رسوله (صلى الله وعليه وسلم) ، وهذا ما صرّح به فقهاء الحنفيّة أنفسهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت