لذلك فإن منع اشتغال المرأة بالسياسة يعد من قبيل درء المفاسد المقدم على جلب المصالح، والإسلام يقف موقف النفور والتحريم من اشتغال المرأة بالسياسة للأضرار البالغة على سلامة الأسرة وتماسكها، وانصراف المرأة عن معالجة شئونها بكل هدوء وطمأنينة [1] . (103)
ولعلنا في هذا المقام نقع أمام رأيين متضادين حول مسألة تولي المرأة للمناصب القيادية ومناصب صنع القرار والمناصب السياسية، فالدكتور البوطي يرى بأن المرأة في ذلك مثلها مثل الرجل، أما الأستاذ وهبة فيرى حرمة ذلك شرعا؛ وذلك لأنه سيشغلها لا محالة عن وظيفتها الرئيسة المتمثلة بتربية النشء المسلم، هذا بالإضافة إلى ما سيؤدي إليه من مفاسد.
وأرى إزاء هذين التوجهين المتناقضين أن النظرة الموضوعية تؤكّد على أن أجدر من يكون لوظيفة تربية الأولاد الهامة في المجتمع هي المرأة؛ وذلك لما تمتلكه من قدرات يفتقدها الرجل، ومتى ما استطاعت التوفيق بين وظيفتها التي تقلّدتها وبين وظيفتها الرئيسة فلا مانع من تقلّدها باعتبار الأصل لهذه الوظيفة، بل لا بد عليها كفرض كفائي من القيام بهذه الوظيفة متى كانت هي الأكفأ والأجدر بهذه الوظيفة.
أما بالنسبة لما قد يترتب على ذلك من مفاسد واختلاط بالرجل وسفر للخارج، فهي أمور يمكن تجاوزها، كما أن الدكتور البوطي قد أكّد على ضرورة مراعاتها المرأة متى قررت ممارسة مثل هذه الأعمال لنفع أمّتها.
إن استثمار الطاقات في المجتمع تقع المسئولية فيه على الحاكم، كما لا بد أن يكون توجهه في ذلك للرجال والنساء على حد سواء، مع ضرورة مراعاة فطرة الله التي فطر الله عليها لكل من الرجل والمرأة، ومتى تحقق التوازن في استثمار الطاقات مع القضاء على أي خلل قد يؤدي إلى فقد التوازن المنشود في ممارسة الأدوار في المجتمع، فإننا نكون بحق أمام مجتمع مسلم متمدن من الطراز الأول.
يؤكد الدكتور برهان زريق على حقيقة الأمر في مسألة الحقوق السياسية أو العمل السياسي للمرأة، والتي عرّفها بأنها: ذلك الفعل الإنساني الذي يمس أساسيات الحياة، وأن هذا الفعل لم يكن غريبا عن المرأة المسلمة سواء في مكة أو في المدينة على عهد الرسول (صلى الله وعليه وسلم) أم في تجربة الخلافة الراشدة.
أي أن معنى المشاركة السياسية للمرأة تعني وفق ما يراه الدكتور زريق هو أي فعل تقوم به المرأة ويمثّل تبوّأها لمراكز صنع القرار في البلاد، وهناك دلائل متعددة أبرزت المرأة في هذا الميدان.
فها هي المرأة تقف أمام سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لتنطق بكلمة الحق في وجهه، وذلك في مسألة المغالاة في المهور.
وكيف نفهم الدور الذي لعبته نائلة زوج الخليفة الراشد عثمان بن عفّان ... أليس ذلك فعلا سياسيا؟، ثم كيف تفسّر
(1) توفيق علي وهبة، دور المرأة في المجتمع الإسلامي، مرجع سبق ذكره، ص 188.