ولكن القضية هي أننا نريد أن نوزّع استعداداتنا الفطرية على أنواع العلوم والمعارف، أو بعبارة أولى نريد أن نوزّع العلوم والمعارف على الذكر والأنثى بحسب الاستعداد الخلقي الذي حددت به الطبيعة لكل منهما مهمته في الحياة.
ثم يستطرد بعد أن أكّد على ضرورة سعي المرأة إلى العمل على مراعاة الاستعدادات الفطرية لديها، ويجبّ كذلك سد الحاجة بدخول المرأة في مجالات التعليم التي ستسد حاجة المجتمع بعد ذلك، وذلك ككونها مدرسة أو طبيبة نساء، فمن المستحسن أن تعالج المرأة امرأة مثلها، وأن تتعلم المرأة من امرأة مثلها.
ويذكر الأستاذ البهي الخولي رأيه في تعلّم المرأة ما عدا ذلك من علوم قائلا:(أما تعليم الكيمياء، والهندسة العليا، والزراعة، والفلك وما إليها فضرب من التزيّد لا يكون إلا على حساب المهمّة الأصيلة التي أعدّت للفتاة.
إن شيئا من تلك العلوم ليس محرّما على البنت في الإسلام، ولكن المصلحة - قطعا - في أن تدرس غيره مما يعود بالنفع في مهمّتها الأصيلة، والمصلحة المشروعة قانون من قوانين الإسلام، يحل ما تحلّها، وتحرّم ما تحرّمها) [1] .
إن ما ذكره الأستاذ البهي حول رؤيته نجد فيه توسّعا أكثر مما وجدناه لدى الدكتور السباعي والدكتور الجبري اللذين نادوا بتفضيل قصر تعليم المرأة على ما تستفيد منه في الاعتناء بمنزلها، وتربية أولادها، ويستند في ذلك ليس إلى دليل قطعي، فلا مجال للدليل القطعي هنا، بل يستند إلى رأي يتبناه يتمثّل في أن عدم دخول المرأة في مجالات تعليم لا تتصل بالرعاية لمنزلها، ولا التربية لأبنائها، وإمكانية الدخول في مجالات ضيّقة غير ذلك كطب النساء إلى ما تقتضيه المصلحة المشروعة حسب رأيه.
ونختم كلامنا في الاستعراض لآراء المفكرين من الرجال حول مسألة تعليم المرأة بكلام للأستاذ عبد الرسول عبد الحسن الغفّار يؤكد فيه على أن (الإسلام لا يمنع الرجل أو المرأة من التعليم، بل يحثّهما معا على طلب العلم ومزيدا منه، والذين لهم القدرة على التعليم، ويستطيعون المواصلة ولكن لم يتعلّموا ولم يواصلوا بدون مبرر كان ذلك عليهم خطأ كبيرا، وجرما قد يحاسب عليه في يوم القيامة بسبب التهاون والإعراض عنه) [2] .
إن كلام الأستاذ عبد الرسول الغفّار يؤكّد على أن له توجها يختلف عن توجه من استعرضنا آرائهم، فهو لم يقصر بأي حال من الأحوال أي مجال من التعليم على الرجل دون المرأة، ولعلي أثير تحفظا على ذلك بالنسبة لبعض مجالات
(1) البهي الخولي، الإسلام والمرأة المعاصرة، الطبعة الرابعة، 1403 - 1983، دار القلم، دولة الكويت، 215.
(2) الغفار - عبد الرسول عبد الحسن، المرأة المعاصرة، الطبعة الأولى، 1403 - 1983، دار الزهراء للطباعة والتوزيع، بيروت - لبنان، ص 175.