لمنافسة الرجل في المناصب القيادية فحسب، بل يؤيّد أن تزاحم المرأة الرجل حتى في ممارسة جميع الأعمال التي يمارسها، ويعلل توجهه هذا بقوله: (إذا كانت بنية المرأة أضعف من بنية الرجل، فإن تطوّر الزمن وانتشار الآلة قد هيّأ للبنات الضعيفات البنية فرصة القيام بأعباء العمل كالرجل تماما) [1] .
ونحاول أن نطرح توجها آخر قد طرح مفهوم الحرية والتحرير للمرأة، وهو طرح للسيّد حسين محمد فضل الله، والذي أكّد على أن(شعار تحرير المرأة في طبيعته ناشئ من الواقع السيئ الذي كانت المرأة تعيشه في أجواء التقاليد والعادات المتخلّفة التي تضطهد إنسانيتها وتعاملها كما لو كانت مجرّد شيء من أشياء الرجل التي صنعت للاستمتاع من دون أن يكون لها دور فاعل في الحياة.
حتى الأمومة التي هي رسالتها في مضمونها الإنساني لا ينظر إليها من قبل المجتمع المتخلّف إلا في دائرة الخدمة التي تؤديها لأولادها بعيدا عن عملية التوعية والتربية والتوجيه؛ لأن مسألة تعلّم المرأة ليست واردة في حسابهم باعتبار أن ذلك ليس حاجة في علاقتها بالزوج والولد والبيت.
كل ذلك أعطى للواقع في حركة المرأة في الحياة معنى الإنسان المقهور المستعبد الذي لا يعيش حركية إنسانيته، واستقلال إرادته، بل هو مجرد ظل للآخرين وصدى لأصواته، وأداة استهلاكية لحاجتهم وغرائزهم، الأمر الذي جعل القضية تنطلق في معنى الثورة، ومضمون التحرير لاتصالها بالتغيير الذي يختزن في داخله حركة حريّة الإنسان ليكون تحرير المرأة جزءا من تحرير الإنسان في الجوانب التي تضطهد فيها إنسانيته؛ لتعود المرأة إنسانا صاحب رسالة، ومخلوقا متعدد الأبعاد يتحرّك في عقله وعاطفته وإرادته وطاقته ليضيف إلى الحياة شيئا جديدا).
ولكن ما هو الحل لتوجيه هذه الثورة التي انطلقت بها المرأة لتتحرر من القيود التي فرضتها عليها العادات والتقاليد، فلديها توجهان إما أن تتحرر من هذه القيود وفقا للضوابط الشرعية، وإما أن تسلك المضمون الفكري والاجتماعي للحضارة الغربية التي أدخلت المرأة في جو جديد للاستهلاك الغريزي، ولكن بصورة عصريّة إيحائية توحي للمرأة بأنّها تمارس حرّيتها عندما تمارس خضوعها لغرائز الرجال بأساليبهم المتعددة.
ثم يستوقف السيد فضل الله متسائلا عن الأوضاع التي ينبغي أن تتحرر منها المرأة، ومفهوم الإسلام للحرية أو التحرر للمرأة، حيث يؤكّد بأنه لا بد أن نناقش القضية كقضية تتصل بالمجتمع وليست كقضية تتصل بالأفراد، ثم ينوه على فرضية عقلية تتمثّل في أن الحرية أو التحرر الذي يدمّر جميع القيود المفروضة مرفوض؛ وذلك لأنّه يشكّل فوضى في التنظيم الكوني.
وفي ضوء ذلك لا بد أن يتأتى الاتفاق بداهة على أنه لا بد من وضع الضوابط العمليّة التي تجعل من الحرية حركة
(1) السيد فضل الله - محمد حسين، تأملات إسلامية حول المرأة، الطبعة السادسة، 1417 - 1997، دار الملاك، بيروت - لبنان، 26.