حصل من تغيرات اجتماعية أو سياسية ... إنه يضبط انعدام التوازن في المهام البيولوجية عن طريق الالتزامات الاقتصادية، كما يضمن إمكانية الاستقلالية الفردية من خلال الملكية الخاصة، بيد أنه يجنّب المرء الانزلاق في مهاوي الأنانية والفردية - الأمر الذي يدمّر المجتمع ويفككه -، وذلك عن طريق جعل أفراده مسؤولين قانونيا وأخلاقيا عن بعضهم البعض) [1] .
ولعلنا نجد من خلال استعراضنا لعدد من الأصوات النسائية المتعقّلة حول مسألة مساواة المرأة بالرجل، بأن هناك توجها في المطالبة بالتكاملية في ممارسة الأدوار في الحياة بين كل من الرجل والمرأة، وبالمقابل ينادين بعدم احتقار دورهن الذي يعتبر مكملا لدور الرجل، والدعوة إلى اعتبار دور الرجل مكملا لدور المرأة، فكلا الدورين يتكاملان وفق فطرة الله التي فطر الناس عليها، ولا يمكن الانتقاص لدور دون آخر، وأن إشكالية هذه المسألة ينبغي أن يتم حلها من خلال القواعد القرآنية التي ساوت في التكليف بين كلا الجنسين، وهذا ما حتمّ عليهما السعي الدؤوب نحو العمل على بذل مزيد من الجهد في بناء المجتمع وتطويره.
ولعلنا ننتقل في محطتنا القادمة لاستعراض عدد من آراء المفكرين من الرجال؛ وذلك لقياس مدى التوحّد في الرأي لدى كلا التوجهين في فهم النصوص القرآنية، وفي فهم واقع ودور كل من الرجل والمرأة في الحياة، وما إذا كانت المساواة بينهما متحققة أم لا، والطبيعة التي تتميز بها هذه المساواة إن كانت مساواة تماثلية أم تكاملية.
-رأي الرجل حول المسألة.
يتحدث المفكر الإسلامي الدكتور البوطي محللا معنى المساواة في الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة، وما ينشده المعجبون بالغرب من مساواة مضيّعة لتوازن المجتمع، وما ينبغي أن يكون عليه كلا من الرجل والمرأة من فطرة فطر الله الناس عليها قائلا: (إن كانت المساواة المنشودة لديهم أن يصب الرجال والنساء في قوالب اجتماعية واحدة، فيتحرك الكل بنسق واحد، ويسكنوا في ميقات واحد، وعلى نظام واحد، وتتكافئ فيهم الجسوم والأحجام، وينطلق الكل إلى واجبات محددة واحدة، ثم ينقلب الكل في نعيم مكرر الحقوق لا تخضع لأي تنوّع أو تمايز، بحيث يسقط ما بينهم من فوارق القدرات والإمكانات، ويظهر للجميع وكأنهم أحجار مرصوفة في حجم واحد، وتربيعات واحدة ... أقول: إن كانت المساواة المنشودة لديهم هي هذه المساواة الآلية الحرفية، فبوسعهم أن ينشدوها ويبحثوا عنها فيما تنتجه المخارط الآلية فقط، أما في عالم الأناسي فحتى الرجال فيما بينهم، والنساء فيما بينهن، بل حتى الطبقة الواحدة في مجتمع الرجال، والطبقة الواحدة في مجتمع النساء إنما يتساوون من حيث إنسانيتهم الواحدة في مبدأ تحمّل الواجبات ومبدأ ممارسة الحقوق، ثم إنهم يتفاوتون في ذلك كله حسب تفاوتهم في القدرات، والملكات، والاختصاص، والإمكانات،
(1) الفاروقي - ميسم، الهوية الذاتية للمرأة في القرآن والشريعة الإسلامية، مرجع سبق ذكره، ص 158.