فالتساوي المبدئي ناظر إلى وحدة الإنسانية فيما بينهم جميعا، والتفاوت التطبيقي ناظر إلى الحكمة الربانية التي اقتضت بعد ذلك أن يتفاوتوا في القدرات، ويتنوعوا في الخصائص والملكات) [1] .
ولعلنا نستنج فائدة من كلام الدكتور البوطي تتمثل في أن المساواة في تحمل الواجبات وممارسة الحقوق بين الرجال والنساء إنما هي على حد سواء، فليس الضابط في التأهل من عدمه هو الجنس الذي يحمله كلا منهما، بل إن الضابط في ذلك هو نوعية العوارض التي تعرض لكل منهما، فهناك عوارض تعرض للرجال تعجزهم عما يمارسه النساء، كما أن هناك عوارض تعرض للنساء تعجزهم عما يمارسه الرجال.
ثم يحلل الدكتور البوطي سبب الجدل في مسألة مساواة المرأة بالرجل عند من يدّعي هضم الإسلام لحقوق المرأة قائلا:(إن الجدل الذي يثيره من ينعتون أنفسهم اليوم بحماة حقوق المرأة بين يدي تبريرهم لاتهام الإسلام بهضم حقوقها، وبترسيخ النظرة الدونية إليها، إنما يدور على محور الخلط بين الأهلية الواحدة في كل من الرجل والمرأة، والعوارض المختلفة والمتفاوتة في كل منهما ... وقد غاب عنهم أن الجدل على هذا الأساس يستدعي منهم القول بأن الإسلام هضم حقوق الرجال أيضا، ورسّخ عوامل الدونية إليهم.
إن المساواة المطلقة التي يهتف بها عشاق المدنية الغربية مستعصية على التطبيق في المجتمعات الإنسانية كلها بين سائر الأفراد، وعلى مختلف المستويات، ولو تحققت هذه المساواة الحرفية المطلقة لتفكك المجتمع ولتناثر أفراده على ساحة واسعة ممتدة من التناكر والتدابر، ولاختفت مما بينهم جسور التواصل والتعاون.
إن المساواة التي متّع الله بها الإنسان على أساس الأهليات الإنسانية، وقواسم القابليات والملكات المشتركة موجودة ومقررة فيما بين الرجال بعضهم مع بعض، وفيما بين النساء بعضهم مع بعض، وفيما بين الرجال والنساء معا) [2] .
ولعل الدكتور البوطي يريد أن يصل بنا إلى حقيقة معينة تتمثل في أن المساواة بين كلا من المرأة والرجل إنما جاءت في التكليف كل حسب طبيعته، وقد جرت المساواة لكل منهما في التكليف مساواة في التنافس كل حسب دوره الذي تقتضيه طبيعته، وهو ما يحقق في النهاية سد حاجة المجتمع عن طريق تفعيل سياسة التماثل في الأدوار وليس عن طريق سياسة التداخل التي قد تؤدي إلى خلخلة ممارسة الحقوق وتأدية الواجبات في المجتمع الإسلامي.
ويؤكد الشيخ الشعراوي باعتباره من المفسرين المعاصرين على استنباط جميل قائلا: (لا بد أن نحدد قضية الخلاف على الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة ... ذلك أن هذا الخلاف يثور لعدم فهم طبيعة الخلق من الله سبحانه وتعالى ...
(1) البوطي - محمد سعيد رمضان، المرأة بين طغيان النظام الغربي ولطائف التشريع الرباني، الطبعة الأولى، 1417 - 1996، دار الفكر، دمشق - سورية، دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان، سلسلة من أحاديث الأربعاء، الرقم، ص 95.
(2) البوطي - محمد سعيد رمضان، المرأة بين طغيان النظام الغربي، ولطائف التشريع الرباني،، مرجع سبق ذكره، ص 40.