مرهون في ذمته الدور في بناء المجتمع وترسيخ قواعده، ولكن لا بد أن نستعرض ما إذا كان توجهها نحو تعزيز التماثل في الدور بين الرجل والمرأة، أم أنها تتوجه نحو التكامل في الأدوار بينهما، والذي لا يؤدي إلى انتقاص أي طرف منهما؟
إن الأستاذة بيضون تنادي بتكامل الأدوار نظرا لتمايز الاستعدادات لدى طرفي العلاقة، وتؤكّد على ذلك بقولها: (فالقرآن إذ يؤكد على مرتبة الرجل وتفوقه على المرأة، يفعل ذلك من ضمن الرؤية العامة الخاضعة لضرورة وأحقيّة تفوّق الأصلح، وفي المجال الذي يثبت فيه جدارة ما، وهذا ما يفسّر موقف الشريعة الإسلامية من منح المرأة حقوقا لم يمنحها للرجل) .
ثم تردف معللة توجهها نحو تبني الدور التكاملي بين كل من الرجل والمرأة، وأن ذلك يرجع إلى استعداد كل منهما، ولا يمكن أن نمايز تفضيلا بين الدورين قائلة: (لقد ركز القرآن على الاستعدادات المتكاملة التي تتمتع بها المرأة، واعترف لها بجدارة اجتماعية، ولم يضع الرجل في مكانة أعلى مما هي عليه ليسلبها شيئا من الإنسانية، وإنما لينظّم الحياة في مجملها تنظيما يقوم على الخير، والعدل، والصلاح) [1] .
ولعلنا نجد توجها مرادفا لدى الأستاذة بيضون مع ما سبق أن استعرضناه من وجهة نظر للأستاذة وفيقة حمدي، والذي يؤيّد التوجه نحو إقرار الدور التكاملي بينهما، وأن هذا الواقع تفرضه نظرية الحياة التي اقتضت تكامل الأدوار بين كل شيء خلق منه المولى عزو جل زوجين اثنين، وأنه كما يتكامل الليل والنهار في تسيير ظروف الحياة، فإن التكامل متحقق في دور كل من الرجل والمرأة في الحياة.
وتؤكد الأستاذة ميسم الفاروقي كأحد الأقلام النسائية التي تناولت مسألة مساواة المرأة بالرجل على توجه كل من الأستاذة وفيقة حمدي وتغاريد بيضون، إلا أنها تثير مسألة هامة تنطلق من خلال التأكيد على أنه ما دام كلا الجنسين مكلفين، فلا بد من تفعيل قاعدة (لكل مجتهد نصيب) ، وذلك بما لا يتنافى مع التوازن وفقا للدور الذي يتناسب مع كلا من الرجل والمرأة، فالأستاذة ميسم تؤكد على ذلك بقولها: (وليس ثمة ذكر لفوارق بيولوجية تجعل من الرجل والمرأة أي شيء سوى أنهما شريكان، بل على النقيض من ذلك فالآيات التي تؤكّد أنهما شريكان يكمّل أحدهما الآخر، ولهما حقوق متماثلة عديدة في القرآن الكريم، والفارق بين الذكر والأنثى يعود إلى توزيع المهام والمسئوليات الاجتماعية والاقتصادية وليس إلى الجنس، فلا يوجد في القرآن الكريم حديث عن المرأة الجاهلة المحطّمة التي ينبغي حمايتها، وإنما منحت جميع الحقوق التي منحها الذكر، وعليها أن تقوم بواجباتها تجاه المجتمع تماما كما هو شأن الذكر، فالهدف النهائي للبنية الاجتماعية والاقتصادية في القرآن الكريم هو خلق نظام التكافل المتبادل حيث تكون وحدته هي الأسرة الموسّعة، والذي يقوم فيه المجتمع بالعناية الكاملة بأفراده على أسس قانونية وأخلاقية بحيث يحمي الفرد مهما
(1) بيضون - تغاريد، المرأة والحياة الاجتماعية في الإسلام، مرجع سبق ذكره، ص 58.