فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 131

الأديب يختار جمهوره حينما يكتب لهم، يلتقي بهم

فجمهور الأديب هنا، هم الأطفال، والأديب الناجح في هذا الفن، هو الذي يستطيع أن يتقمص شخصياته فيعيشها في نفسه، أو يرى نفسه فيها، أو يغنِّي طفولته متكلمًا في كبره كأنما هو في صغره، لقد طوى شوقي حجاب الزمان وما فعله في وجهه من أخاديد، وعاد طفلًا طربًا في أنشودته التي حدثنا بها عن شأنه مع أبيه وكيف خلصته جدته من العقاب بل وانقلب السحر على الساحر إذا أصبح الوالد العنيف مدانًا انتصارًا للطفل شوقي:

أنشودة: جدتي

لي جدة ترأف بي أحنى علي من أبي

وكل شيء سرني تذهب فيه مذهبي

إن غضب الأهل علـ ـي كلهم لم تغضب

مشى أبي يومًا إلـ ي مشية المؤدب

غضبان قد هدد بالضـ ـرب وإن لم يضرب

فلم أجد لي منه غيـ ر جدتي من مهرب

فجعلتني خلفها أنجو بها وأختبي

وهي تقول لأبي بلهجة المؤنب:

ويح له! ويح لهـ ذا الولد المعذب

ألم تكن تصنع ما يصنع إذ أنت صبي؟

تحليل النص:

روعة النص؛ أن الشاعر لم يورد هذه الحكاية على لسان غيره، وإنما جعل نفسه هو الولد المهدد بالتأديب والضرب، ولا يشترط أن يكون هذا قد حصل فعلًا في الزمان الماضي، وإنما هذا ممكن، فالأدب أشبه بالحياة من الحياة.

أزال الشاعر الحجب التي بينه وبين الزمن الذي مضى على طفولته دون أن ندري، وذلك بلفتة عبقرية أحس بها وعبر عنها بتعبير واقعي.

وهذه هي واقعية الأدب، ولا تعني الواقعية أن يكون الأمر قد حصل فعلًا، وإنما الواقعية، أن هذا مما يمكن أن يحصل، وهذا الذي ذكره شوقي بلسان المتكلم عن نفسه يمكن أن ينطبق على كل أطفال العالم، منذ بدء الخليقة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت