فهذا هو الأدب الإنساني.
لي جدة: كأنما احتلت الجدة في نفس الطفل وفي شعوره مكان الوالدين؛ فالجدة لي، لي أنا، إن هذا الإحساس بقربه من الجدة، أو قرب الجدة منه ليدل على أن النفس قد جبلت على حب من أحسن إليها، فالذنْب عند الجدات مغفور في دنيا الأطفال، وما الذي جعل للجدة هذا الموقع الفريد في نظر الطفل؟
أحنى علي من أبي: الأب، كهف الرعاية والحماية للطفل، وهو مصدر الحنان، ولكنه أحيانًا يثور، يغضب ولكن الجدة لا تثور مهما ساءت الأمور، وهي أبدًا لا تغضب، لذلك أخذت الأولوية في نظر الطفل وتقدم موقعها في نفسه على موقع الأب.
وكل شيء سرني، سرها.
ولكن الشاعر جعل لهذا السرور مذاهب؛ فتارة يلعب، وهو يقفز، وتارة يضرب العلبة الفارغة فيثير الضجة فيزعج بعض أهل البيت، ويصيحون بالطفل معترضين على هذا الإزعاج، وتارة يصخب وأخرى يصرخ ... وفي كل هذه السلوكيات وهذا العرام وهذا الضجيج، فإن جدته راضية هانية مسرورة مادام أن طفلها مسرور، وهذا الرضا لم يلمسه من أحد؛ لذلك فقد تقدمت جدته في حبه لها على كل أحد.
إن غضب الأهل علـ ي كلهم لم تغضب
خلق الله تعالى الجدة من الحنان الخالص الصرف فلم تعرف الغضب على الأطفال مهما فعلوا.
بعد هذا التقديم، أو المقدمة للخبر، يقص علينا الشاعر قصته، ويعرض موضوعه:
مشى أبوه ذات يوم إليه مهددًا إياه بالضرب، وهو الطفل الصغير، ولم يطلعنا الطفل على فعلته التي تستحق التهديد بالضرب، فلعله قذف الكرة فكسر الزجاج، أو كسر الجرة أو اعتدى على طفل آخر وخطف منه قطعة الحلوى .... لقد ترك الشاعر الموضوع مبهمًا لتتصور المخيلة سبب التهديد والضرب وإن لم يقع، وليتساءل القارئ الطفل أو حتى الكبير: ما سبب مشي الأب أو هجومه على طفله؟. لقد ترك الأمر مجهولًا، وهذه الإيحاءات شعرية غاية في روعة الأداء.
وأين يهرب الطفل من أبيه؟ أليس هو رب البيت؟
لكن هناك سلطة أعلى من سلطة الأب، إنها سلطة الجدة، إنها أم الأب، هي التي أنجبته، وربته ... إذًا ما دام الأمر كذلك، فلتكن هي الحامي للطفل، وهل يوجد في البيت سواها يهرب الطفل إليه؟
التجأ الطفل إلى جدته فخبأته خلفها.
أين هذا الطفل الأرعن؟ أريد أن أجعله عبرة للأطفال الذين لا يطيعون، وللأطفال الذين يؤذون غيرهم من الأطفال الذين يخطفون الحلوى من أيديهم، أين هذا الطفل؟ دعوني وإياه ليرى تأديبي ونكالي وقوة ضربي ..