والإصلاح خصلة من خصال الأمر بالمعروف، وهو من التواصي بالحق [1] ولكن إذا ترك الزوجان تعاليم الكتاب والسنة واتبع كل منهما هواه وعاداته وتقاليده التي تربى عليها بين أهله وقومه وعشيرته، ورفض الاستمرار وصار الطلاق هو الحل على الرغم مما يترتب عليه من مشاكل وتشتت لأفراد الأسرة إن كان هناك أولاد، هنا يأتي دور الإصلاح والحكمين لإنقاذ الأسرة من التشتت والضياع بين الأب والأم، وهذا من أعظم أثاره الإيجابية لأنه إنقاذ لأسرة واستقرارها، ولا ريب تشتتها هي وغيرها من الأسر وكثرة الطلاق بين الأزواج يعود ضرره علي المجتمع كله هذا من جهة [2] .
عُني الإسلام بالعلاقة الزوجية وأقرَّ لها النهج الذي يحافظ على كيانها ويعمل على تقويتها وصيانتها من عبث العابثين، وقد وجه الإسلام كلًا من الزوجين إلى مراعاة حقوق الآخر ودعاهما إلى بناء الحياة الأسرية على أساس من المودة والرحمة لقوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الروم: 21. فالسعادة بين الأزواج منوطة بأن يكونوا عند الأوامر الشرعية التي أوجبها الله عليهم، ولكن قد لا يلتزم كلٌّ من الزوجين أو أحدهما بالمنهج الشرعي فيحيد عن الأوامر، وتتجاذبه نوازع الحياة فتخرج به عن الطريق السويّ والسلوك الصحيح المستقيم، وحينئذ يَدُبُّ الخلاف بين الزوجين وتتهدد العلاقة الزوجية بالانفصام والانهيار، فينطلق نذير الخطر ليبدد وئام الأسرة وصفاءها [3] . والملاحظ الآن أن المنازعات الأسرية أصبحت منتشرة بصورة كبيرة وعظيمة لم تكن موجودة من ذي قبل، والنزاع المستشري بين الأزواج يجعل البيوت تعيش دائمًا في اضطراب ونكد مستمرين؛ فيهدد أمن واستقرار الأسرة بأسرها [4] . إن إدراك الأسباب الداعية لوقوع الشقاق والنزاع في الأسرة يتيح فرصة كبيرة لمعالجتها، وتجنب مثيراتها حتى لا تظهر آثارها على مسيرة الحياة الزوجية، ومن يستطلع المنازعات الأسرية يجد أن الأسباب الداعية إلى الخلاف والنزاع متعددة ومتنوعة، وعليه لا بد من عرض جملة من الأسباب وفق تقسيمين رئيسين كما يلي:
(1) انظر: الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، 1415 هـ، ج 3 ص 153 و 156. سيد قطب، في ظلال القرآن، ج 1 ص 560.
(2) انظر: الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، ج 7 ص 539.بتصرف
(3) - انظر: السدلان، النشوز (ضوابطه، حالاته، أسبابه، طرق الوقاية منه) ، 1417 هـ، ص 28 و 29.
(4) - انظر: السدلان، النشوز (ضوابطه، حالاته، أسبابه، طرق الوقاية منه) ،ص 29.