يقول الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الإيمان بعد أن ذكر قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا} [النساء: 59] ، وقال: وأَنّا رددنا الأمر إلى ما ابتعث الله عليه رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنزل به كتابه، فوجدناه قد جعل بدء الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بعد النبوة عشر سنين أو بضع عشر سنة يدعو إلى هذه الشهادة خاصة، وليس الإيمان المفترض على العباد يومئذ سواها، فمن أجاب إليها كان مؤمنا لا يلزمه اسم في الدين غيره، وليس يجب عليهم زكاة ولا صيام ولا غير ذلك من شرائع الدين .. فجعل الإقرار بالألسن وحدها هو الإيمان المفترض على الناس يومئذ، فكانوا على ذلك إقامتهم بمكة كلها، وبضعة عشر شهرًا بالمدينة بعد الهجرة [1]
(1) وبهذا يظهر لك أيضًا بطلان شبهة من شبهات مرجئة العصر، وهي ترقيعهم لطواغيتهم، بزعمهم أن النجاشي حكم بغير ما أنزل الله بعد أن أسلم ومع هذا لم يكفره النبي صلى الله عليه وسلم بل شهد له بالإسلام وصلى عليه لما مات.
{كبرت كلمة تخرج من أفواههم أن يقولون إلا كذبا} بل قد حكم بما أنزل الله إليهم آنذاك، واتبع ما كان مفترضًا عليهم في ذلك الوقت، إذ لم يكن التشريع قد كمل وقتها، فكان الاستسلام والإنقياد والإقرار بلا إله إلا الله وما حوته من البراءة من كل ما يعبد من دون الله هو الإيمان واتباع الشرع والحكم بما أنزل الله آنذاك، خصوصًا إذا عرفت أن النجاشي كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشهد أنه رسول الله آنذاك صادقًا مصدقًا بل ويبايعه على الإسلام، حتى إن بعض الحبشة خرجوا عليه ينازعونه ملكه وأنه انتصر عليهم واستقر له أمر الحبشة بعد ذلك وأقره قومه على الإسلام واتبعه الأساقفة والرهبان، وانظر زاد المعاد جـ3 ص (62) ثم مات بعد إسلامه بيسير، وذلك قبل أن تكتمل الشرائع. أما النجاشي الذي كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم مع كسرى وقيصر وكل جبار يدعوهم إلى الإسلام فهو غير النجاشي المسلم الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم، وقد أشار إلى هذا أيضًا ابن القيم في زاد المعاد، وذكر الوهم الذي وقع فيه بعض الرواة في خلطهم بين الاثنين. وراجع في هذا أيضًا كتاب الإيمان لعبد الله القنائي ص (149) وما بعدها.