حتى إنه بلغني قبل أيام من تبييض هذه الورقات عن أحدهم - وهو ممن يتصدر المجالس للجدال عن الطواغيت والترقيع لكفرياتهم، ويجمع حوله فيها لفيفًا من الشباب الأغرار ليلبس عليهم دينهم وتوحيدهم ويخذلهم عن الكفر بطواغيت الزمان والبراءة منهم - أنه قال ردًا على من احتج على تكفيرهم بتشريعاتهم الكفرية:"أن الحجاج بن يوسف بعث برسالة إلى أحد قادته"أن اقتل فلانًا - المسلم -"فهذا تشريع!!! ومع هذا لم يكفره أحد من السلف .. !!" [1] .
(1) وهذه الطريقة الفاسدة التي يسلكها هؤلاء القوم في الترقيع للطواغيت وأوليائهم تعرفك بمدى تلاعب الشيطان بهم وأنهم ليسوا طلاب حق، إذ الواجب عند أهل الحق أن يكون الاحتكام في جميع الأمور إلى الكتاب والسنة لا إلى انحرافات وأخطاء أو هفوات أو إلى مشتبهات من مقالات العلماء .. وإذا كانت أقوال العلماء واجتهاداتهم بل والصحابة غير ملزمة ولا هي بحجة في دين الله تعالى فكيف بأقوال وأفعال من هم دونهم من الناس .. وكيف إذا كانت هفوات وأخطاء وليست مجرد أقوال، أفيجوز إيرادها في موضع النزاع فضلًا عن إيرادها للبس الحق بالباطل والنور بالظلام، وللترقيع للمشركين وأوليائهم؟؟ ولا شك أن هذه من سبل أهل الأهواء قديمًا وحديثًا ورثوها بعضهم بعضًا .. فالروافض مثلًا يوردون على الأغرار من أهل السنة بعض نصوص الكتاب والسنة التي ظاهرها التعارض والإشكال ليشككوهم بدينهم الحق وليصححوا مذهب الشيعة الفاسد، وربما تتبعوا هفوات أو اجتهادات خاطئة لبعض الصحابة وهم بشر غير معصومين، ليوقعوا الغر في الطعن بهم والبراءة منهم. فربما جاءوك وقالوا لك ما تقول بمن ينهى عما يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أليس بضال، أليس بكذا .. ؟؟ ثم يأتونك بأحاديث فيها نهي بعض الصحابة عن متعة الحج ونحوها .. وربما قالوا: ما قولك فيمن وصف النبي بأنه (هجر) ؟ وربما حرفوها وقالوا (خرّف) فتقول: أعوذ بالله هذا ضلال، ولعلك تقول هذا كفر .. فيوردون لك قول عمر رضي الله عنه في النبي صلى الله عليه وسلم وهو على فراش الموت .. وهكذا مع أن هذا كله لم يهمله أهل العلم ولا يعسر على طالب الحق الرجوع إليه وفهم ملابساته من مظانه، وعلى هذا المنوال أهل الإرجاء في زماننا فإنهم يتتبعون هفوات بعض أهل العلم وأخطائهم ليصححوا بها مذهبهم الفاسد وليرقعوا للطواغيت أو لأوليائهم فيقولون لك: ما تقول بمن جوز التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته .. وما تقول بمن يغير الفتوى أو يضعف الحديث للسلطان، فلعلك تضلل أو تبدع .. فيبادرونك بقولهم: الإمام أحمد قال كذا وابن المديني فعل كذا .. فقل لهم: يا ضلاّل ما لمثل هذا يكون التحاكم عند النزاع .. أهذه هي طريقة السلف وأهل الحديث التي تتمسحون بها؟ أهذه هي البينات والبراهين والأدلة والحجج التي تحتجون بها؟ أهذه آيات أم أحاديث، حتى يكون الرد إليها عند النزاع .. ؟ ثم قل لهم: هذا كله خطأ وباطل، كائنًا من كان قائله .. ولا يحيله إلى حق كون القائل به على مرتبة من العلم أو الدين .. وهذا أمر بدهي .. فكما أننا نقبل الحق وإن جاءنا من أحقر الناس وأجهلهم، فكذلك نرد الباطل وإن جاءنا من أعظمهم وأجلهم، فماذا تريدون يا أعداء أنفسكم بهذه الإيرادات؟ أتريدون تجويزها؟ أم تريدون إطفاء نور الله والترقيع للطواغيت وعبيدهم بتهوين كفرياتهم ومقايستها بتلك الأخطاء والمخالفات .. فيا فرحة أعداء الدين بكم وبترقيعاتكم .. فشتان بين هذه الإيرادات وبين ما القوم فيه اليوم من كفر صراح، ولو تتبعها طالب الحق في مظانها لعرف بيسر بطلان مقايستها بأحوال الطغاة، فمنها ما هو في الفروع والذرائع لا فيما نحن في صدد الرد عليه من هدم أصل الدين وقاعدته. ومنها ما هو مطعون في نسبته إلى أولئك الأفاضل أو كانوا مكرهين عليه وإذ لم يكونوا مكرهين فهل يجوز معارضة الحق وتمويهه بأقوال الرجال، فضلًا عن معارضته وتمويهه بأخطائهم، وهم غير معصومين ولا بمشرعين حتى تكون أقوالهم وأفعالهم حجة فيما هو دون الذي خصومتنا فيه .. وحتى لو صدر الكفر منهم أو من أمثالهم أفيضر هذا الحق شيئًا؟ أم تراه يغيّر من قواعد ديننا وأصوله شيئًا؟ قال تعالى: {ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا} وقال: {وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعًا فإن الله لغني حميد} .. وربما أوردوا لك من هذا القبيل نصوصًا مبتورة مقطوعة على طريقة أهل الأهواء يذكرون منه ما يوافق أهواءهم، كما فعل أحدهم مع بعض إخواننا فأورد عليهم أكثر من مرة قول أبي حنيفة:"لو أن رجلًا عبد هذه النعل يتقرب بها إلى الله لم أر بذلك بأسًا"، يذكر هكذا مبتورًا .. ولا أدري ما يقصد من وراء هذا الإيراد بهذا القدر؟ أهو تجويز الشرك والكفر وعبادة غير الله؟ أم الصدّ عن تكفير الطواغيت وأنصارهم وعبيدهم بإلزامنا تكفير أبي حنيفة وتخويفنا بمخالفة السواد من العوام والطغام في ذلك .. ؟؟ فهذا دين الله لا يداهن أحدًا، ومن ثبت كفره بالدليل كفرناه إن انتفت في حقه الموانع، فالدليل لا يجامل أبا حنيفة ولا غيره، والقول في أبي حنيفة لأئمة زمانه الذين عاصروه، وقد ثبت بأسانيد صحاح في تاريخ بغداد والمجروحين لابن حبان والمعرفة والتاريخ للفسوي عن سفيان الثوري، وغيره أن أبا حنيفة استتيب من الكفر مرتين .. وسواء أكفر أبو حنيفة، أو غيره أم لم يكفر فهذا لا يضر الحق ولا يغير منه شيئًا .. والذي نقوله هنا أن تلك المقولة التي أوردها هذا المرجىء كفر سواء أصدرت عن أبي حنيفة أم غيره (*) .. وقد رواها الفسوي في المعرفة والتاريخ (3/ 784) والخطيب (2/ 375 - 377) وابن حبان في المجروحين (3/ 73) وفيها زيادة كتمها هذا المرجىء لأنها تفسد عليه شبهته وإلزامه، وهي قول سعيد بن عبد العزيز في آخر الرواية: (هذا الكفر صراحًا) فتنبه لتلبيساتهم ولا تغتر بشبههم فإنما يتبع مثل هذا ويستدل به من أفلس من الأدلة والحجج الشرعية، فصار إلى أمثال هذه الترقيعات والتلبيسات يدرأ بها في نحر النصوص الواضحة الصريحة، وليس بمستعجب ولا بمستنكر أن يشتبه الحق بالباطل على أعمى البصيرة، كما يشتبه الليل بالنهار على أعمى البصر. يا ويلهم أفلا يتوبون؟ والله إن لم يتوبوا عن هذا فسيعلمون غدًا بتلبيساتهم وشبهاتهم هذه عمن يدفعون ولأي شيء يرقعون؟ وفي أي صف يقفون؟ ومن يحاربون؟ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ..
(*) تنبيه:
اعلم أن بعض صغار العقول من مرجئة العصر قد استغلوا هذا الموضع فافتروا علينا وادعوا أننا نتبنى تكفير أبي حنيفة النعمان، وهذا كما يرى البصير المتأمل لكلامنا محض كذب وافتراء، ناتج إما عن غل وحسد وسوء إرادة، أو عن جهل وسطحية وعدم معرفة بكلام العلماء ومعاني الألفاظ .. فإن المتأمل لكلامنا يعلم أن الذي ذكرناه هنا إنما هو اعتراض بعض أفراخ المرجئة على تكفيرنا للطواغيت بالمقالة المذكورة عن أبي حنيفة، يريدون بذلك تخويفنا من التكفير مطلقًا وصدنا عن تكفير الطواغيت، أو إلزامنا بتكفير أبي حنيفة، فكان ملخص ردنا كما ترى أن بيّنّا أن هذا ليس من طريقة أهل الحق في الاستدلال، وأن ما أرادوا إلزامنا به لا يلزمنا، وإن كانت"تلك المقولة كفر سواء أصدرت عن أبي حنيفة أم غيره"..
وكل من له معرفة بكلام العلماء يعرف معنى هذه العبارة وأنها لا تعني بحال تكفير أبي حنيفة، إذ معلوم عند صغار الطلبة الفرق بين الحكم على المقالة، وبين الحكم على قائلها، فالحكم على المقالة بأنها كفر، هيّن لا يحتاج إلى النظر في موانع التكفير، بخلاف الحكم على قائلها، فلا بد فيه من ذلك، والإنسان قد يتلفظ بكلمة الكفر ولا يكفر مع ذلك، لقيام مانع من موانع التكفير في حقه.
ونحن إنما تبرّأنا من المقالة، وحكمنا عليها، كائنًا من كان قائلها، تمامًا كما هو قول سعيد فيها"هذا الكفر صراحًا"ولم نتبنّ لا نحن ولا سعيد في ظاهر مقالته تكفير أبي حنيفة بحال، ولكنها العداوة والخصومة والغل الذي يدعو إلى الافتراء ويعمي عن الصدق، ويصدّ عن الإنصاف. إذ كل من يعرفنا أو يقرأ لنا، يعلم أننا آلينا على أنفسنا أن لا نشتغل بتكفير أحد من المنتسبين إلى العلم في زماننا رغم مخالفتهم لدعوتنا بل وطعن كثير منهم بنا، وافترائهم علينا. ولا يشغلنا شيء من ذلك أو يحرفنا عمّا ندندن حوله دومًا ونركز عليه من تكفير الطواغيت أو أنصارهم.
فكيف يعقل بعد هذا أن ننشغل بتكفير أمثال أبي حنيفة، ممن أفضوا إلى ما قدموا، ولا فائدة ترجى من وراء ذلك أصلًا. فنحن لا نتحرج من إنكار الباطل ورده على قائله كائنًا من كان .. مع علمنا بما حوته كتب التاريخ من ضعيف ومكذوب، ومعرفتنا بخصومات أهل المذاهب، واطلاعنا على ما قرره العلماء في جرح الأقران بعضهم لبعض ..
فإن أبى بعض الناس مع هذا كله، إلا الكذب والافتراء والبهتان .. فعند الله تجتمع الخصوم.