فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 134

إذ فرق كبير كبير بين من يرابي متأثمًا يبتغي لذة عاجلة وبين من يرخص الربا للناس ويشرّع له ويحمي مؤسساته ويتواطأ ويصطلح عليه .. وفرق كبير أيضًا بين من يشرب الخمر مذنبًا وبين من يرخص للناس شربها ويرخص لمحلات الخمر بيعها ويحميها ويُبدّل حد الله في الخمر بتشريعاته الساقطة.

وفرق كبير أيضًا بين من يقع في الزنا متأثمًا استجابة لغواية، وبين من يبدل حد الزنا ويرخص للبغاء بتشريعات تجعل الزنا جريمة فقط في حق الزوج وبيده، فإن رضي الزوج فلا جريمة ولا عقوبة بل هو مباح عندهم .. [1] .

فالتشريع وتحريم الحلال أو تحليل الحرام كما فهمت، عمل كفري مجرد وليس كسائر الذنوب التي يشترط فيها اعتقاد الاستحلال .. وقد ينضاف إليه الاعتقاد فيكون كفرًا مركبًا وزيادة في الكفر .. وليس هو قيدًا أو شرطًا للكفر ها هنا، فإن المشركين الذين أحلوا الأشهر الحرم بتبديلها بأوقات أخرى، كانوا يعرفون ويعتقدون في قرارة أنفسهم أن الأشهر المحرمة من عند الله هي تلك الأولى بعينها لا التي استحدثوها وشرعوها واستبدلوها هم، وهكذا كان معتقد اليهود يوم أن (بدلوا) حد الزنا أو (اجتمعوا) أو (اصطلحوا) أو (تواطؤوا) [2]

(1) راجع لتتعرف إلى أمثلة من ذلك في قوانينهم العفنة، كتابنا (كشف النقاب عن شريعة الغاب) .

(2) هذه هي الألفاظ التي عُلّق مناط الكفر بها في الأحاديث الواردة في أمر اليهود وكفرهم لتبديل حكم الله .. وهي مناط الحكم بالكفر، وليس في تلك الأحاديث ذكر للاعتقاد أو الجحود أو الاستحلال فراجعها واحفظها لتلجم بها أفواه مرجئة العصر.

ومثل هذا ما أشار إليه الشيخ عبد المجيد الشاذلي في (حد الإسلام وحقيقة الإيمان) ص (428) في الألفاظ التي وصف فيها من اتخذ الأحبار والرهبان أربابًا وأشركهم مع الله في التحليل والتحريم، في طرق حديث عدي، فذكر:"فاتبعوهم""فأطاعوهم""تأخذون بقولهم""فحرموه وأحلوه"ونحوه ولم يرد في شيء منها"فاعتقدوا أنه حلال"وإنما المراد التزام تحريمهم وتحليلهم والاصطلاح والتواطؤ عليه واتخاذه قانونًا وحكمًا ..

إذ الاصطلاح والتواطؤ والاجتماع على شريعة غير شريعة الله والتزام ذلك ولو في حد أو حكم هو شيء غير الطاعة المجرّدة للمشرع أو لغيره في معصية الله ولو تعددت، والتي يذكر فيها قيد الاستحلال أو الاعتقاد فهما عملان مختلفان يخلط فيهما مرجئة العصر. ولعلهم يستشهدون ببعض كلام شيخ الإسلام الذي يشترط فيه ذلك الشرط في كفر متبعي المشرعين في المعاصي فقط .. وهذا حق لا شك فيه ولكنه أمر غير الاصطلاح والتواطؤ على حكم أو حد أو شرع من غير شريعة الله الذي فعله اليهود وكفروا به دونما ذكر للاعتقاد، وهو ما يمارسه الطواغيت وعبيدهم اليوم، أما من اعتقد تحريم ما حرمه المشرعون فهذا مشرك كافر سواء التزمه أو لم يلتزمه، وهذا لا دخل له في موضوعنا هذا، ويجدر التنبيه إلى أن تفصيله ذاك (7/ 70) كان في شأن الأتباع لا المتبوعين، وقد فصلنا القول فيه في رسالتنا الثلاثينية في التحذير من أخطاء التكفير، وذلك لأن الطائع للمشرع ليس بلازم أن يكون متبعًا لتشريعه متواطئًا عليه ملتزمًا له في كل حال .. بل قد يطيعه بعض العصاة في معصية الله فقط، فلا يكون فعلهم ذلك كفرًا إلا مع الاستحلال، فلزم التفصيل في شأن الاتباع لوجود مثل هذه الحالات ولورود الاحتمال .. أما المشرعون الذين جعلوا من أنفسهم أندادًا لله فمنحوا أنفسهم، بل وغيرهم من النواب خاصية هي من خصائص الألوية (التشريع) فمن السفه كما تقدم أن ينزل في مثل هؤلاء ذلك التفصيل فيقال هل استحلوا أو اعتقدوا؟؟

واعلم أن هؤلاء الطواغيت قد جمعوا بين الطامتين، فهم مشرعون. وفي نفس الوقت اتباع للمشرعين الدوليين يتواطؤون ويصطلحون على تشريعاتهم ويجتمعون معهم عليها ... فقد جمعوا كفرًا فوق كفر وظلمات بعضها فوق بعض ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت