واليهود عندما بدلوا حد الزنا واصطلحوا واجتمعوا على حكم غيره، لم يعتقدوا إباحة الزنا أو استحلاله، بل كانوا يعتقدون حرمته بتحريم الله له، ولا هم زعموا أو قالوا أن الحكم الذي وضعوه هو من عند الله، ولا قالوا أنه أفضل من حكم الله أو أعدل، ولا صرّحوا باستحلالهم للتشريع أو أنهم يعتقدون أن لهم حق التشريع .. أو شيئًا نحوه .. بل كفروا بمجرد تواطئهم واجتماعهم واصطلاحهم على حكم وتشريع غير حكم الله وتشريعه، وكانوا أربابًا لمن أطاعهم وتابعهم وتواطأ معهم على ذلك التشريع.
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد: (من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله) اهـ.
فالمتبع لتشريع المشرعين المناقض لشرع الله، مشرك اتخذ غير الله ربًا، والمشرع نفسه طاغوت كافر أشرك نفسه مع الله في ألوهية الحكم والتشريع .. قال تعالى: {ولا يشرك في حكمه أحدًا} [الكهف: 26] ، وفي قراءة ابن عامر وهو من السبعة: {ولا تشرك في حكمه أحدًا} [الكهف: 26] بصيغة النهي. فالتشريع إما أن يكون إشراك أو اشتراك مع الله في الحكم وكلاهما كفر مجرد ..
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته (التسعينية) : (والإيجاب والتحريم ليس إلا لله ولرسوله فمن عاقب على فعل أو ترك، بغير أمر الله ورسوله، وشرع ذلك دينًا، فقد جعل لله ندًا ولرسوله نظيرًا، بمنزلة المشركين الذين جعلوا لله أندادًا أو بمنزلة المرتدين الذين آمنوا بمسيلمة الكذاب، وهو ممن قيل فيه: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21] اهـ [1] .
(1) ص (14) ضمن مجموعة فتاوى ابن تيمية - جـ5، طبعة دار الفكر.