أقول: وكذلك نحن فإن الذين كفرناهم بالحكم بغير ما أنزل الله لم نكفرهم لحكمهم بالفروع بمعنى الجور بالقضاء ونحوه من غير استحلال كما هي طريقة الخوارج، وإنما كفرناهم لأن حكمهم بغير ما أنزل الله من النوع التشريعي الشركي المناقض لأصل التوحيد، ولأنهم اتبعوا حكمًا ومشرعًا غير الله عز وجل، وابتغوا دينًا وشريعة غير دينه وشريعته .. وأيضًا لتوليهم أهل الشرك وطواغيته على اختلاف ألوانهم، ومظاهرتهم على الموحدين ..
فافهم هذا ولا تكن ممن تنطلي عليهم تلبيسات مرجئة العصر وتخبطاتهم، وفرّق بين ما يُكفّر به الرسل وأتباعهم، وبين ما يُكفّر به الخوارج وأشياعهم.
ثم اعلم أن التشريع والاستبدال كفرم مجرد لا يقال فيه؛ هل استحل أو اعتقد أو جحد؟ فهذه التقييدات إنما هي في النوع الآخر الذي خلّط فيه الخوارج.
فأهل الكتاب الذين أنزل الله تعالى فيهم: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله} [التوبة: 31] ، كفروا بالتشريع وطاعة المشرعين في ذلك ومتابعتهم لهم على تشريعاتهم، ولا يقال كفروا لاعتقادهم أنه حرم على الحقيقة أو أبيح على الحقيقة أو أنهم استحلوا التشريع (الاستحلال القلبي) أو أنهم اعتقدوا أن لهم حقًا في الألوهية أو الربوبية.
يقول الشيخ عبد المجيد الشاذلي في (حد الإسلام وحقيقة الإيمان) ص (431) : (إن معنى أحلّوه أو حرّموه ليس معناه(الاعتقاد) بمعنى العلم بصحة الشيء والإخبار عنه، بل العمل بمقتضى تحريمهم وتحليلهم من الحكم والتحاكم إليه .. ).