وتأمل قول الأخير .. (فهو حكم وليس قيدًا للحكم) فإنه مهم .. فالمعلن لكلمة الكفر لغير عذر شرعي كافر قد شرح بالكفر صدره، ولا يقال ننظر حتى نعرف ما في صدره أمعتقد هو أم مستحل أم لا؟ وكذا الساب لله ولرسوله ولدينه شارح بسبّه هذا صدره للكفر وإن لم يعلمنا هو بذلك، وكذا الساجد للصنم طائعًا قد شرح بالكفر صدره بفعله هذا ولا يقال ننظر أمستحل أم غير مستحل، لأن هذه الأعمال أعمال مكفرة بذاتها، وكذا المشرّع مع الله أو المتبع والمبتغي غير الله حكمًا ومشرعًا ومعبودًا قد شرح بالكفر صدره بجعل نفسه طاغوتًا معبودًا في ذلك أو باتباعه للطاغوت والتزامه وتحاكمه لشرعه، ولا نقول ننظر أستحل التشريع مع الله واعتقده أم لم يعتقده .. وكذا المستهزئ بشيء من دين الله كافر باستهزائه نفسه، شارح بالكفر صدره وإن لم يخبرنا هو بذلك، فنكفره بمجرد الاستهزاء ولا نتوقف حتى نسأله عن اعتقاده واستحلاله، بل لو صرّح بأنه غير معتقد ولا مستحل لكفرناه وقلنا له كما قال تعالى: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} [التوبة: 66] .
فهو حكم بالكفر كما ذكر شيخ الإسلام وليس قيدًا للكفر كما جعله مرجئة العصر. ولو اعتبر مثل هذا الأمر الغيبي الخفي قيدًا للكفر في الأعمال المكفرة لأصبح دين الله ألعوبة بيد كل زنديق.
فما من كافر ولا مشرك إلا ويزعم أنه يضمر الإحسان والتوفيق والإيمان والرشاد [1] .
(1) يقول شيخ الإسلام في الفتاوى (7/ 561) : (وأيضًا فقد جاء نفر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: نشهد أنك لرسول، ولم يكونوا مسلمين بذلك، لأنهم قالوا ذلك على سبيل الإخبار عما في أنفسهم أي نعلم ونجزم أنك رسول الله، قال:(فلم لا تتبعوني) ؟ قالوا: نخاف من يهود.
فعلم أن مجرد العلم والإخبار عنه ليس بإيمان، حتى يتكلم بالإيمان على وجه الإنشاء المتضمن للالتزام والانقياد .. ) اهـ.
وهذا من هذا .. فمجرد الإخبار عن اعتقادهم الإيمان وإرادة الإحسان والرشاد وأنهم في صدورهم يعتقدون أن الشريعة أفضل من قوانينهم، ويعتقدون وجوب تحكيمها، كل هذا الذي يرقع لهم به مرجئة العصر لا يغني عنهم شيئًا، ما داموا لا يلتزمون ذلك ولا ينقادون له، بل يضربون به عرض الحائط ويعطلونه، ويعملون قوانينهم ويقدمونها عليه ويشرعون مع الله ما لم يأذن به الله، ويحاربون أولياء الله الموحدين المتبرئين من تشريعاتهم ويوالون وينصرون ويكرمون أعداء الله الملتزمين المتبعين المناصرين لتشريعاتهم.