وكم عانينا مثل هذا من مرجئة زماننا .. ولكن لا نرد صاع السوء بمثله .. يقول ابن حزم في الفصل (5/ 33) : (وليعلم من قرأ كتابنا هذا أننا لا نستحل ما يستحله من لا خير فيه من تقويل أحد ما لم يقله نصًا، وإن آل قوله إليه .. فاعلموا أن تقويل القائل كافرًا كان أو مبتدعًا، أو مخطئًا ما لا يقوله نصًا، كذب عليه، ولا يحل الكذب على أحد) اهـ.
فلا تتعد حدود الله في المخالفين وإن تعدوا حدود الله فيك .. بل اضبط ما تقول وزنه بميزان العدل الذي قامت به السموات والأرض .. واعلم أن عين السخط تبدي مساوئ لها في الحقيقة مخارج صحيحة، تعمى عنها بحجاب السخط ..
* رابعًا: احذر من التردد والتخاذل عن اتباع الحق ونصرته لقلة الأنصار السالكين أو لكثرة المخالفين والمثبطين، فالجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك .. وما بالكثرة يعرف الحق ولا بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق .. وتذكّر أن النبي يأتي يوم القيامة وليس معه من الأتباع والأنصار إلا الرجل والرجلين .. ويأتي النبي وليس معه أحد .. وهو نبي!!
وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائفة القائمة بأمر الله إلى قيام الساعة بأنهم: (لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم) ..
فإياك أن تتضرر بالمخالفين أو بخذلانهم للحق ولو كانوا الأكثرين .. وتذكر بأن أول من تسعّر بهم النار ثلاثة نفر، منهم علماء لم ينتفعوا بعلمهم لتضييعهم شرط الإخلاص. فلا تغتر إذن بكثرة العمائم المنحرفة عن هذا الطريق .. أعني علماء الحكومات الذين باعوا دينهم للسلطان بثمن بخس دراهم معدودات، فبايعوه وناصروه وآزروه، ولبّسوا الحق بالباطل وأفسدوا على الناس دينهم .. فما العبرة بمثل هؤلاء .. وإنما العبرة بالعلماء العاملين المتبرئين من أهل الكفر والطغيان، فهؤلاء هم ورثة الأنبياء .. فالزم طريقهم وإن قلوا .. ولا تغتر بالغثاء .. فليس العجب ممن هلك كيف هلك .. وإنما العجب ممن نجا كيف نجا!!