فإذا كانت إرادة التحاكم إلى الطاغوت، مناقضة للكفر به الذي افترضه الله على العباد وأمرهم به .. فكيف بالتحاكم نفسه، بل كيف بما هو حاصل اليوم من جعل السلطة التشريعية كاملة وفي كل باب بيد الطاغوت وحقًا من حقوقه .. سواء كان هذا الطاغوت (دوليًا) أم (محليًا) أو كان (أميرًا) أم (نائبًا) أو كان (ميثاقًا) أم (دستورًا) .
ومعلوم من أصل دين الإسلام أن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد وشرط صحة للإيمان بالله لا شرط كمال .. والإيمان بالطاغوت كفر بالله ناقض لأصل الإيمان والتوحيد والإسلام، فالمكذّب المنفي إذن في هذه الآية هو أصل الإيمان وحقيقته لا كماله الواجب، فضلًا عن المستحب ..
وهكذا فسياق الآيات كلها قبل آية الباب هو حول انتفاء أصل الإيمان لا كماله، ثم جاءت هذه الآية نصًا في الموضوع نفسه ..
وهذا كسابقه، فالقائل بهذا مستصحب لأصل الخطاب المتضمن في السياق .. والمخرج لها عن ذلك خارج عن هذا الأصل مطالب بالدليل ..
* أما الحرج المذكور في الآية فهو ليس قيدًا لنفي حقيقة الإيمان هنا، أو قيدًا في كفر من امتنع من التسليم لحكم الله، وإنما وجوده - كما تقدم - زيادة في الكفر .. فالمتحرّج من شرع الله كافر سواء حَكّمَه أم لم يُحكّمْه ..
والممتنع من التسليم لحكم الله كافر وإن لم يظهر التحرّج منه .. وقد يجتمع الكفران في شقي فيكون كفره كفرًا مركبًا .. فهو إذن زيادة حكم لا قيدٌ للحكم ..
يقول الجصاص في (أحكام القرآن) عن هذه الآية بعد أن ذكر بعض معاني الحرج ومنها الضيق أو الشك: (وفي هذه الآية دلالة على أن من رد شيئًا من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم فهو خارج من الإسلام.
سواء رده من جهة الشك ..
أو ترك القبول والامتناع من التسليم ..
وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع عن أداء الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم، لأن الله تعالى حكم بأن من لم يسلم للنبي (فليس من أهل الإيمان) اهـ.