بل حالهم كحال من آمن بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ومات بمكة قبل نزول الشرائع فقد أتى هؤلاء بالإيمان الواجب عليهم آنذاك، ما داموا قد حققوا التوحيد واجتنبوا الشرك والتنديد وشهدوا برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ..
وهذا الجواب كله إنما يكون بعد إثبات صحة الحديث، وصحة كون زيادة"يا صلة تنجيهم من النار"مرفوعة لا مدرجة من قول حذيفة رضي الله عنه ..
والحاصل مما تقدم كله أن يتيقن الموحد من أن"تحقيق التوحيد والبراءة مما يضاده من كل شرك مخرج من الملة وتنديد"أصل الدين وقاعدته، وقوام دعوة الرسل وقطب رحاها .. وأن جميع الشرائع جاءت لحفظه وتحقيقه وصيانته، وأن هذا أمر محكم لا يتطرق إليه التشابه بحال ..
فالواجب مع كل خبر يشتبه على أحد من الناس أو يتوهمه المتوهمون معارضًا لهذا الأصل المحكم، أن يدرج تحته ويحمل عليه، لأنه هو (أم الكتاب وأصله) لا أن يصادم به ويعارض، فضلًا عن أن يسعى لهدمه بتلك الأخبار كما يفعله مرجئة العصر لأجل سواد عيون طواغيتهم .. {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذّكّر إلا أولوا الألباب} [آل عمران: 7] .
نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياك من الراسخين في العلم ..
يقول الشاطبي في الاعتصام: (لا يمكن أن تعارض الفروع الجزئية الأصول الكلية، لأن الفروع الجزئية إن لم تقتض عملًا فهي في محل التوقف، وإن اقتضت عملًا فالرجوع إلى الأصول هو الصراط المستقيم، فمن عكس الأمر حاول شططًا ودخل في حكم الذم) اهـ.
وفي هذا القدر الكفاية لطالب الحق في هذا الباب.
وأما من يرد الله فتنته، فلن تملك له من الله شيئًا.