فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 134

ثم هؤلاء لم يبلغهم القرآن ولا شيء من شرائع الدين، فعلى فرض وقوع مثل ذلك بعد ختم الرسالة، وقد حققوا التوحيد فقد أتوا بالإيمان الواجب عليهم وعلى أمثالهم، لأن الإنذار إنما يكون بكتاب الله تعالى: {وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] ، وهؤلاء لم يبلغهم كتاب الله، فتحقق أن جهلهم بشرائع الدين ومبانيه الواجبة لم يحصل عن تقصير في طلب الحق أو إعراض، وإنما لرفع الكتاب وهو أمر قهري خارج عن إرادتهم، فيعذرون بتفاصيل تلك الشرائع التي لا تعرف إلا عن طريق الوحي ما داموا قد حققوا الحنيفية التي فطر الله الناس عليها [1] .

وحالهم قريب من حال من حقق التوحيد قبل البعثة، كزيد بن عمرو بن نفيل فإنه من القوم الذين قال الله تعالى فيهم: {لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم فهم غافلون} [يس: 6] ، وقال: {لتنذر قومًا ما أتاهم من نذير من قبلك} [القصص: 46] فما بلغته من تفاصيل الصلاة والصيام ولا الزكاة المفروضة علينا ولا أتى بشيء منها.

ومع هذا عذر فيها لأنه حقق أصل الإيمان الواجب في حقه وحق كل أحد كاملًا ألا وهو الحنيفية، اجتناب الشرك وتحقيق أصل التوحيد .. فكان على ملة إبراهيم .. فأخبر النبي (أنه يبعث أمة وحده يوم القيامة ..

(1) بخلاف من بلغه القرآن فأعرض عنه ولم يحقق التوحيد، فإنه يؤاخذ بالفروع والأصول ولا يعذر بشيء من ذلك على الصحيح. قال تعالى: {ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين * فما تنفعهم شفاعة الشافعين} ، وقال تعالى: {إنه كان لا يؤمن بالله العظيم * ولا يحض على طعام المسكين} فتأمل ما في مؤاخذتهم من فروع وأصول، والكلام في هذا يطول، وتفاصيله تجدها في رسالتنا (الفرق المبين بين العذر بالجهل والإعراض عن الدين) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت