فقط من غير فعل الواجبات الظاهرة، وليس هذا هو الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام. لكن قد يقال: إسلام الأعراب كان من هذا، فيقال: الأعراب وغيرهم كانوا إذا أسلموا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ألزموا بالأعمال الظاهرة: الصلاة والزكاة والصيام والحج، ولم يكن أحد يترك بمجرد الكلمة. بل كان من أظهر المعصية يعاقب عليها.
وأحمد إن كان أراد في هذه الرواية أن الإسلام هو الشهادتين فقط، فكل من قالها فهو مسلم، فهذه إحدى الروايات عنه. والرواية الأخرى: لا يكون مسلمًا حتى يأتي بها ويصلي، فإذا لم يصل كان كافرًا. والثالثة: أنه كافر بترك الزكاة أيضًا. والرابعة: أنه يكفر بترك الزكاة إذا قاتل الإمام عليها دون ما إذا لم يقاتله. وعنه أنه لو قال: أنا أؤديها ولا أدفعها إلى الإمام لم يكن للإمام أن يقتله، وكذلك عنه رواية أنه يكفر بترك الصيام والحج إذا عزم أنه لا يحج أبدًا.
ومعلوم أنه على القول بكفر تارك المباني يمتنع أن يكون الإسلام مجرد الكلمة، بل المراد أنه إذا أتى بالكلمة دخل في الإسلام" اهـ.
وقد عرفت فيما تقدم الفرق بين الدخول في الإسلام وابتداء العصمة والموت بعد ذلك مباشرة، وبين ما يلزم لدوام صحة الإسلام واستمرار العصمة.
ومما تقدم يظهر لك أيضًا بطلان احتجاجهم لطواغيتهم وعبيدهم، بحديث "البطاقة" وبحديث "أخرجوا - من النار - من كان في قلبه حبة خردل من إيمان" وكذا حديث "الجهنميين الذين يخرجهم الله عز وجل من النار دون أن يعملوا خيرًا قط" ونحوها. فقد عرفت أن طريقة أهل العلم في ذلك ربط الأحاديث ببعضها، والجمع بين الأخبار ما أمكن إلى ذلك سبيلًا، ودفع ما يتوهم من تعارضها بحمل المطلق على المقيد والعام على الخاص، والمتشابه على المحكم، وهكذا..
وأن الفرح بشيء من ذلك وحده والانطلاق به وبناء القواعد والجبال عليه وحده، دون فهمه بربطه مع غيره هي طريقة أهل الأهواء - ومنهم القوم الذين نحن بصددهم أعني المرجئة - حيث يطيرون بهذه الأحاديث كل مطير.
يقول الشيخ حمد بن ناصر بن معمر في الدرر السنية: "إن القرآن فيه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات، فيرد المتشابه إلى المحكم، ولا يضرب كتاب الله بعضه ببعض [11] ، وكذلك السنة: فيها محكم ومتشابه فيرد متشابهها إلى المحكم، ولا يضرب بعضها ببعض، فكلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يتناقض بل يصدق بعضه بعضًا، والسنة توافق القرآن ولا تناقضه، وهذا أصل عظيم يجب مراعاته، ومن أهمله فقد وقع في أمر عظيم وهو لا يدري" اهـ من جزء مختصرات الردود.
وقد فصل الشاطبي رحمه الله تعالى ذلك قبله أحسن تفصيل فقال: "إن ذوي الاجتهاد لا يقتصرون على التمسك بالعام حتى يبحثون في مخصصه وعلى المطلق هل له مقيّد أم لا؟..