ولذلك فلو مات من أقر بكلمة التوحيد وبرئ من الشرك وأهله بعد إقراره مباشرة، ولم يقم بأي عمل من أعمال الإسلام المفروضة، لعدم وجوبها عليه، كأن يسلم وقت الضحى ويموت قبل دخول وقت الظهر، فإنه يموت مسلمًا مؤمنًا قد قام بالإيمان الواجب عليه.
وهذا مثل ذلك الرجل الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة [3] فقال: يا رسول الله أقاتل أو أسلم؟ قال "أسلم ثم قاتل". فأسلم ثم قاتل فقتل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عَمِلَ قليلًا وأُجِرَ كثيرًا" فهو لم يعمل بعد دخوله في الإسلام، إلا ما وجب عليه في ذلك الوقت وهو نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات دون أن يركع لله ركعة.. وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوي (11/519) : "فالرجل إذا آمن بالرسول إيمانًا جازمًا، ومات قبل دخول وقت الصلاة أو وجوب شيء من الأعمال، مات كامل الإيمان الذي وجب عليه، فإذا دخل وقت الصلاة فعليه أن يصلي، وصار يجب عليه ما لم يجب عليه قبل ذلك" اهـ.
ويقول (7/518) : "إن الله لما بعث محمدًا رسولًا إلى الخلق، كان الواجب على الخلق تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، ولم يأمرهم حينئذ بالصلوات الخمس، ولا صيام شهر رمضان.. ولا حج البيت، ولا حرم عليهم الخمر والربا، ونحو ذلك، ولا كان أكثر القرآن قد نزل فمن صدقه حينئذ فيما نزل من القرآن وأقر بما أمر به من الشهادتين وتوابع ذلك، كان ذلك الشخص حينئذ مؤمنًا تام الإيمان الذي وجب عليه، وإن كان مثل ذلك الإيمان لو أتى به بعد الهجرة لم يقبل منه، ولو اقتصر عليه كان كافرًا. قال تعالى عام حجة الوداع: (أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) [المائدة: 3] " اهـ.
فالأمر بعد اكتمال الشريعة كما روى البخاري عن وهب بن منبه أنه قيل له: "أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله" ؟ قال: "بلى ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح".
فـ"لا إله إلا الله" لها لوازم ومقتضيات ونواقض ومبطلات.. فإن أتى بلوازمها واجتنب نواقضها استمرت العصمة التي دخلها بمجرد الإقرار، وإن أتى بناقض اتقطعت ولم تنفعه الكلمة المجردة بعد ذلك.
وبهذا وأمثاله تفهم معنى إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة لما قتل رجلًا بعد أن نطق بكلمة التوحيد، وقوله صلى الله عليه وسلم: "أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله".. فتلفظه بها إظهار للدخول في الإسلام، فيعامل بها وبما تستلزمه من عصمة، حتى يصدر منه ناقض يقطع تلك العصمة، وإنما أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة قطعه بأنه قالها تقية مخافة السيف، وما يدريه لعله صادق سيجتنب نواقضها ويلتزم مقتضياتها وحقوقها بعد ذلك.. فـ"لا إله إلا الله" مفتاح الدخول إلى