وهذا التقرير - وإن كان يراد به استجاشة قلوب المسلمين إذ ذاك - هو كذلك يصور طبيعة الموقف الدائم لأهل الكتاب من نور اللّه المتمثل في دينه الحق الذي يهدي الناس بنور اللّه.
(ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) . .
وهو الوعد الحق من اللّه , الدال على سنته التي لا تتبدل , في إتمام نوره بإظهار دينه ولو كره الكافرون. .
وهو وعد تطمئن له قلوب الذين آمنوا ; فيدفعهم هذا إلى المضي في الطريق على المشقة واللأواء في الطريق ; وعلى الكيد والحرب من الكافرين [والمراد بهم هنا هم أهل الكتاب السابق ذكرهم] . . كما أنه يتضمن في ثناياه الوعيد لهؤلاء الكافرين وأمثالهم على مدار الزمان! (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله , ولو كره المشركون) . .
وفي هذا النص يتبين أن المراد بدين الحق الذي سبق في قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) . . هو هذا الدين الذي أرسل اللّه به رسوله الأخير. وأن الذين لا يدينون بهذا الدين هم الذين يشملهم الأمر بالقتال. .
وهذا صحيح على أي وجه أوّلنا الآية. فالمقصود إجمالًا بدين الحق هو الدينونة للّه وحده في الاعتقاد والشعائر والشرائع - وهذه هي قاعدة دين اللّه كله , وهو الدين الممثل أخيرًا فيما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - فأيما شخص أو قوم لم يدينوا للّه وحده في الاعتقاد والشعائر والشرائع مجتمعة ; انطبق عليهم أنهم لا يدينون دين الحق , ودخلوا في مدلول آية القتال. . مع مراعاة طبيعة المنهج الحركي للإسلام , ومراحله المتعددة , ووسائله المتجددة كما قلنا مرارًا.
(هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله , ولو كره المشركون) . .
وهذا توكيد لوعد اللّه الأول: (ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) . . ولكن في صورة أكثر تحديدًا. فنور اللّه الذي قرر سبحانه أن يتمه , هو دين الحق الذي أرسل به رسوله ليظهره على الدين كله.
ودين الحق - كما أسلفنا - هو الدينونة للّه وحده في الاعتقاد والعبادة والتشريع مجتمعة. وهو متمثل في كل دين سماوي جاء به رسول من قبل. . ولا يدخل فيه طبعًا تلك الديانات المحرفة المشوبة بالوثنيات في الاعتقاد التي عليها اليهود والنصارى اليوم. كما لا تدخل فيه الأنظمة والأوضاع التي ترفع لافتة الدين , وهي تقيم في الأرض أربابًا يعبدها الناس من دون اللّه , في صورة الاتباع للشرائع التي لم ينزلها اللّه.
واللّه سبحانه يقول: إنه أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله. . ويجب أن نفهم"الدين"بمدلوله الواسع الذي بيناه , لندرك أبعاد هذا الوعد الإلهي ومداه. .