وهذه الصيغة تقال حيث لا ذنب كما قال تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [البروج:8] وكما قال، عليه السلام ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا فأغناه الله"."
ثم دعاهم الله تبارك وتعالى إلى التوبة فقال: {فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} أي: وإن يستمروا على طريقهم {يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا} أي: بالقتل والهم والغم، {والآخرة} أي: بالعذاب والنكال والهوان والصغار، {وَمَا لَهُمْ فِي الأرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} أي: وليس لهم أحد يسعدهم ولا ينجدهم، ولا يحصل لهم خيرا، ولا يدفع عنهم شرا.
ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:
لقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لاين المنافقين كثيرًا , وأغضى عنهم كثيرًا , وصفح عنهم كثيرًا. . فها هو ذا يبلغ الحلم غايته , وتبلغ السماحة أجلها , ويأمره ربه أن يبدأ معهم خطة جديدة , ويلحقهم بالكافرين في النص , ويكلفه جهاد هؤلاء وهؤلاء جهادًاعنيفا غليظا لا رحمة فيه ولا هوادة.
إن للين مواضعه وللشدة مواضعها. فإذا انتهى أمد اللين فلتكن الشدة ; وإذا انقضى عهد المصابرة فليكن الحسم القاطع. . وللحركة مقتضياتها , وللمنهج مراحله. واللين في بعض الأحيان قد يؤذي , والمطاولة قد تضر.
وقد اختلف في الجهاد والغلظة على المنافقين. أتكون بالسيف كما روي عن علي - كرم اللّه وجهه - واختاره ابن جرير - رحمه اللّه - أم تكون في المعاملة والمواجهة وكشف خبيئاتهم للأنظار كما روي عن ابن عباس - رضي اللّه عنه - والذي وقع - كما سيجيء - أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لم يقتل المنافقين. .
(يحلفون باللّه ما قالوا. ولقد قالوا كلمة الكفر , وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا) . .
والنص في عمومه يستعرض حالة المنافقين في كثير من مواقفهم , ويشير إلى ما أرادوه مرارًا من الشر للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللمسلمين. . وهناك روايات تحدد حادثة خاصة لسبب نزول الآية:
قال قتادة: نزلت في عبد اللّه بن أبي. وذلك أنه اقتتل رجلان , جهني وأنصاري , فعلا الجهني على الأنصاري , فقال عبد اللّه للأنصاري: ألا تنصرون أخاكم ? واللّه ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك. وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فسعى بها رجل