فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 370

{وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} أي: لنصرة نبيه وإقامة دينه، كما قال تعالى: {إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38] .

{وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا} أي: ولا تضروا الله شيئًا بتوليكم عن الجهاد، ونُكُولكم وتثاقلكم عنه، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي: قادر على الانتصار من الأعداء بدونكم.

وقد قيل: إن هذه الآية، وقوله: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا} وقوله {مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ} [التوبة: 120] إنهن منسوخات بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} [التوبة: 122] رُوي هذا عن ابن عباس، وعِكْرِمة، والحسن، وزيد بن أسلم. ورده ابن جرير وقال: إنما هذا فيمن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد، فتعين عليهم ذلك، فلو تركوه لعوقبوا عليه.

وهذا له اتجاه، والله [سبحانه و] تعالى أعلم [بالصواب]

وفي الظلال:

إنها ثقلة الأرض , ومطامع الأرض , وتصورات الأرض. . ثقلة الخوف على الحياة , والخوف على المال , والخوف على اللذائذ والمصالح والمتاع. . ثقلة الدعة والراحة والاستقرار. . ثقلة الذات الفانية والأجل المحدود والهدف القريب. . . ثقلة اللحم والدم والتراب. . والتعبير يلقي كل هذه الظلال بجرس ألفاظه: (اثاقلتم) . وهي بجرسها تمثل الجسم المسترخي الثقيل , يرفعه الرافعون في جهد فيسقط منهم في ثقل! ويلقيها بمعنى ألفاظه: (اثاقلتم إلى الأرض) . . وما لها من جاذبية تشد إلى أسفل وتقاوم رفرفة الأرواح وانطلاق الأشواق.

إن النفرة للجهاد في سبيل اللّه انطلاق من قيد الأرض , وارتفاع على ثقلة اللحم والدم ; وتحقيق للمعنى العلوى في الإنسان , وتغليب لعنصر الشوق المجنح في كيانه على عنصر القيد والضرورة ; وتطلع إلى الخلود الممتد , وخلاص من الفناء المحدود: (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ? فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل) .

وما يحجم ذو عقيدة في اللّه عن النفرة للجهاد في سبيله , إلا وفي هذه العقيدة دخل , وفي إيمان صاحبها بها وهن. لذلك يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -"من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من شعب النفاق". فالنفاق - وهو دخل في العقيدة يعوقها عن الصحة والكمال - هو الذي يقعد بمن يزعم أنه على عقيدة عن الجهاد في سبيل اللّه خشية الموت أو الفقر , والآجال بيد اللّه , والرزق من عند اللّه. وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل.

ومن ثم يتوجه الخطاب إليهم بالتهديد: (إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم , ولا تضروه شيئًا , واللّه على كل شيء قدير) . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت